التاريخ ومحنة النسيان -مقالة .. بقلم/ نعمه العبادي
ما الذي نخافه أكثر: أن تتورّم ذاكرتنا بكل ما حدث حتى تعجز عن حملنا، أم أن نستيقظ ذات يوم فلا يبقى من العمر سوى عناوين باهتة وصور مقطوعة الأطراف؟ بين فائض التذكّر وفراغ النسيان تتأرجح علاقتنا بالتاريخ، لا بوصفه ما كُتِب في الكتب وحدها، بل بوصفه كل ما يُعامَل على أنه تاريخ: ما ترويه الدول في مناهجها، وما تتناقله الأمهات في المطابخ، وما تستقرّ عليه المخيلة الجماعية من حكايات وأبطال وضحايا، وما تحتفظ به النفس في ألبومها الخاص من جراح ولحظات حب وانكسار. في هذا الأفق الواسع لا يأتي النسيان كطارئ على التاريخ، بل كقوة صامتة تشارك في كتابته؛ فالتاريخ ليس فقط ما نتذكّره، بل أيضاً ما نسمح لأنفسنا أن ننساه، وما يُجبَر على الغياب دون أن يُعلن موته. في أعماق الذات يعمل النسيان كـ (محرِّر نصوص) داخل جينالوجيا الوعي؛ نحن لا نحمل حياتنا كأرشيف كامل، بل كسيرة ذاتية تُكتَب وتُراجَع في كل مرة نرويها، فهناك دائماً مقص خفي يمرّ على شريط العمر: يختصر المشاهد، يخفّف بعض الألوان، ويقصّ لقطات بعينها حتى لا تنهار حكاية "من نكون" . ما نسمّيه "أنا" ليس حصيلة ما تذكّرناه فحسب، بل أيضاً نتيجة ما...