ظاهرة الاغتراب في القصيدة اليمنية المغناة - الجزء الرابع. " البالة - دراسة نقدية .. للإستاذ/ ياسين السامعي
هل سبق لك وأن رأيت أو عايشت ملحمة أسطورية سريالية في حياتك ؟
بالطبع نعم إلى حد ما ؛إذ كثيرا ما تروي لنا التلفزة حكايات أولئك الأبطال الخارقين الذين تقحموا الأهوال وخاضوا المغامرات و ربما قامروا باللاشيء في مواجهة مخاطر تفوق الخيال رعبا وخوفا ،
ثم تغلق بعدها الشاشة وأنت تشعر بالقرف
أو السخرية أو الدهشة ،
لكن تعال - عزيزي القارئ - قليلا ، تعال إلى أعظم إلياذة قاسية واقعية وأجرأ ملاحم الإنسان في صراعه مع قدر البؤس وحظه التعيس من الضياع والتشرد والاغتراب الظالم ،
وعليك أن تدرك أولا أن مايميز ملحمتنا هذه
عن غيرها أنها ملحمة لم تكن بدافع المتعة أو المغامرة أو الإثارة وتحطيم أرقام قياسية بقدر ما كانت ملحمة دافعها البؤس والفقر والظلم والقهر وكل صنوف العذاب التي يذوقها المرء قسرا ثمنا للعيش في أقل من النعيم ،
هنا سيختلف الأمر تماما ؛ إذ ليس الخيال
الماتع كالحقيقة المرة ،فربما تتجسد فيها
شخصيتك أو أي إنسان تعرفه ويعيش ذات
التجربة القاسية ،
وهل أوطاننا إلا أفواه مدافع بائسة تقذف
بنا حمما إلى عالم الاغتراب الموحش ؟
" البالة " ملحمة غنائية وإلياذة مثيرة بطلها
ليس " هوميروس " الأعمى والمشكوك في كينونته ، إنها ملحمة لواحد من عامة الناس
في بقعة ملعونة مغضوب على أهلها من آلهة
السلطة والنفوذ قديما وحديثا ،
وربما بطلها أو أبطالها لم ينالوا حظهم من الشهرة بالقدر الكافي ؛إذ أن حدود جغرافيا هذا البلد المغلقة كانت تحول بينهم وبين رؤية العالم الخارجي أو الضوء حتى ،
فاستعبدتهم الحياة التي عاشوها مكبلين
بقوانينها وقدسيتها الملطخة بعنائهم وبؤسهم وضعفهم ردحا من الزمن ،
ولأن الخيال وليد العاطفة كما يقال تحكي ملحمة " البالة " تجربة إنسانية عامة تمكنت
من الشاعر وصاغته أديبا يندفع شلالا شعريا
عذبا ومؤلما أيضا ،
إنها واحدة من آلم وأحزن وأصدق الأهازيج
والأغاني اليمنية التي مثلت قضية الإنسان
اليمني المقهور بأبعادها المختلفة أرضا و إنسانا وفقرا وبؤسا واغترابا ،
" البالة " قصيدة من الشعر الشعبي اليمني
إبان الحكم الإمامي البائد وهي من روائع
الشاعر الإنسان الحافل تاريخه الأدبي بكم هائل من القصيد الأستاذ الراحل /
مطهر الإرياني - رحمه الله ،
وقد نظمها الشاعر تصويرا لواقع الإنساني
اليمني الذي يعيش مرارة الاغتراب والتهجير
من وطنه سعيا وراء العيش بكرامة مع
ما يكتنف طريقه من مخاطر وينتظره من مستقبل مجهول ،وما يعانيه وأهله من ويلات وخراب يخلفه الاغتراب ،
🎸- البالة /والليله البالة
البالة /والليله البال ماللنسمة السارية
البالة /هبت من الشرق فيها ريحة الكاذبة
البالة / فيها شذ البن فيها اللمسة الغانية
البالة / عن ذكريات الصبا في أرضنا الغالية
- يعد مطلع قصيدة البالة مطلعا أقرب للمطلع الطللي متأثرا به الشاعر كأهزوجة شعبية يرددها الفلاح اليمني عند حلول مواسم الزراعة ، حتى صار تقليديا رمزيا ،
و" البالة " في المعجم تعني " الندى " أو " الخير "
ويعلل اعتماد الشاعر هذا اللفظ هو ما يحمله من دلالة وما يصاحب الفلاح البسيط من نشوة حال ترديده وكأنه يبشر بخير واعد ،
وفيه ربط الإنسان بالحياة والطبيعة والموروث الثقافي ويعكس تعلقا روحيا
بالبيئة ونشأة الإنسان اليمني ،
وفي الإيقاع الموسيقى يؤدي تكرار اللفظ
" البالة " بامتداده وظيفة إيقاعية تساعد
الشاعر على إيصال أحاسيسه الصادقة بأنفاسها الممتدة كماهي ،
يستشف القارئ في هذا المطلع روح الشاعر
المفعمة بالحياة والحنين والرومانسية الصادقة والتسلي بأبرز عناصر الطبيعة الخلابة التي تعكس صورة الأرض الطيبة، ولعل الشاعر فيها يعطي مبررا للتعلق بالأرض وحبها والحسرة على فراقها ،
حيث يتساءل :
ماللنسمة السارية ،نسائم البلاد وهواؤها العليل ، انتعاش يأتي ويذهب في مخيلته وإحساسه فيوقظ فيه الحنين ،
والليل أكثر الأوقات التي تستجيب فيه العواطف لنداء الذات وتنفعل معها العاطفة
حيث السكون وفراغ الروح ،
" هبت من الشرق فيها ريحة الكاذية "
يتضح من هذا السياق أن الشاعر يعبر عن
هجرته غربا باتجاه البحر ، فوقوف مخيلته على الأطلال وذكرياته المنعشة فيها حرك
عواطفه وانفعالاته وفجر أحزانه الشعرية على هذا النحو ،
" الكاذية " نوع من الأشجار ذو رائحة زكية
يشبه الصبار وتضعه الأنثى في خدها كنوع
من الزينة ،
وهي واحدة من الرموز التي تعكس تعلق
الشاعر ببيئته البسيطة ،
فيها " شذى البن " رائحة البن " القهوة " رمز
للأصالة الوطنية؛ حيث اشتهرت اليمن قديما
بمحصول البن ،
كل هذه العناصر يسوقها الشاعر كذكريات
للصبا في بلاده الغالية ،
- يوحي مجيء معظم مفردات هذا المطلع بصيغة الإفراد عدا كلمة " ذكريات " جاءت جمعا باتقاد ورسوخ حب الشاعر بلاده الوحيدة والتي أججت فيه الكثير من الأحاسيس ،ففيها رغم بساطتها الكثير من مظاهر الجمال ،
ولم يرد في المطلع غير فعل وحيد وهو
" هبت "
أي أنه يكفي هذا الحدث ليفجر فيه هذا الكم
من العاطفة ،
والفعل مضعف يوحي بشدة توافد هذه الذكريات وكأنها إعصار أو عاصفة ،
ومن لفتات هذا المطلع غزارة صيغة المؤنث
ك " لمسة ،نسمة ،غانية ،الكاذية، الغالية "
معرفة " بال " ولعل تعليل ذلك هو ما تجيش
به روحه من الوجد والحرمان والحنين في الغربة استجابة لنداء الغريزة الفطرية وهو
ما يجعل المطلع أيضا أشبه بالغزلي ،
أما تعريفها " بال " فدلالة على مكانتها في
نفسه وتلبسها به ،فهو يقصد بلاده لا غير ،
🎸- البالة/والليله العيد وانا من بلادي بعيد
البالة/مافي فؤادي لطوفان الحزن من جديد
البالة/ قلبي بوادي بنا وابين ووادي زبيد
البالة / هايم وجسمي هنا في الغربة القاسية
بعد الوقفة الطللية التي افتتح بها الشاعر قصيدته تمهيدا لفكرة النص يأتي مضمون
القصيدة وأساسها وهو رحلة الاغتراب ومعاناته القاسية في منعرجاتها ،
ابتداء من مأساة اغتراب المرء عن أهله
ولا سيما في " العيد "
وليس اختيار الشاعر لهذا اللفظ اعتباطا ،
بل ليعكس مأساة الإنسان الذي تضطره
قسوة الحياة ووحشية ظروفها للتغرب حتى
في الظروف التي يفترض أن يكون فيها
بين أهله ومحبيه ،
فالاغتراب وأسبابه اللعينة تحرم المرء لذة
الفرحة ونشوة العيد ،
فأي مأساة هذه التي لا ينعم فيها الإنسان حتى بدفء لحظات العيد ؟
فيقول إن روحه ممتلئة أسى وحزنا وألما
وحسرة وليس فيها موضع لأحزان جديدة ،
فهو يعيش مأساة الحنين واحتراق اللهفة
لوطنه ،
وينعي على الغربة بالوصف " القاسية " إمعانا في إعطائها صورة بشعة ،
في المقطع الكثير من الدلالات اللغوية واللفتات اللغوية المؤثرة منها :
- أسلوب المقطع جاء خبريا ابتدائيا نظرا لطبيعة هذا الأسلوب ووظيفته في تفسير
حالته البائسة بصدق شعوري عميق
- جاءت الجمل اسمية بحتة نظرا لطبيعة الحالة التي يعيشها ،فهو في ألم وحزن وحسرة دائمة ،
- الخيال الفني في كلمة " طوفان " تعكس
حجم الآلام والأحزان التي تثيرها مأساة
الاغتراب والذكريات في البعيد .
- الظروف المكانية هنا للحلول الجسدي ولم يقل عن روحه إنها " هناك " لأن " هناك " ظرف يوحي بالبعد وبلاده إحساسا ليست بعيدة بل هي أقرب من كل شيء .
- النفي " ما في فؤادي " يعكس شدة انفعال الشاعر وحزنه .
- " هايم " للدلالة على فرط إحساسه وحبه وشغفه وذوبانه في وطنه .
- قال من " بلادي " بدلا من " أهلي " ليعكس
انتماءه لبلاده وأنها كل شيء .
" ومن بلادي " أكثر دلالة على المعنى في السياق من قوله " عن بلادي " لأن الشاعر
لازال فيها متجذرا بعواطفه وإحساسه .
- الإيقاع الموسيقي في المقطع يتمثل في استخدام حرف الياء وتكراره وهو حرف مدي يناسب انفعالات الشاعر ،
الجناس في " بعيد و عيد " يعطي جرسا إيقاعيا جميلا ،
- " وادي بنا وزبيد وأبين " إشارة لعدة أشياء
أهمها
- وحدة الإنسان اليمني ومصيره .
- الاغتراب لم يستثن أحدا شمالا وجنوبا.
- تعلق الإنسان المغترب بطبيعة بلاده الخلابة .
- جاءت لفظة " الغربة " مفردة للدلالة على أنها سبب كاف لبؤس اليمنيين وشقائهم ومعاناتهم .
🎸-
البالة/خرجت أنا من بلادي في زمان الفنا
البالة/أيام ما موسم الطاعون قالوا دنا
البالة/ وماتوا أهلي ومن حظ النكد عشت أنا
البالة/ عشت ازرع الأرض واحصد روحي
الذاوية.
يرصد فارسنا المغوار وأسطورتنا الفذة في
هذا المقطع عدة مشاهد أليمة حزينة تعكس
قسوة الحياة وبشاعة الاغتراب ومأساة الإنسان التي تختار له الحياة قدرا بائسا
كهذا ،
يحرك في هذه المشاهد عواطفنا وانفعالاتنا بشكل غريب ، فيرسم - في لوحة تعج بالحركة والنبض - مشهد الخروج
وظروف الاغتراب القاسية ،
فظروف رحيل الإنسان عن وطنه لم تكن
يوما للنزهة والمتعة والرفاهية ، بل لأن هناك
عوامل استثنائية تضطره للأفول القسري ،
ويعبر عنها بمفردات شديدة البؤس والقسوة
" الفنا ، الطاعون "
وهناك في الغربة لم يكن المغترب بمعزل عن الألم ،فهو وإن نجا من قدر الموت لن ولم ينج من قدر الحسرة والبؤس والألم ومأساة رحيل الأهل ،
وليس أشد قسوة على المرء من الموت إلا
نفاد كل حيلة يستطيع بها الحيلولة دون مأساة أهله وهو مخنوق بخبال الغربة ،
فالظروف العصيبة التي دفعت المواطن البائس للهجرة والاغتراب لم تكن سهلة ،لقد كانت قاسية ولكنها ليست أقسى من الاغتراب في المجهول.
مات كل أهله وعاش هو ولم يكن عيشه بعدهم سوى حظ نكدي محض ؛ إذ لا قيمة
للحياة حينها وحيدا ، عاش يزرع أرضه ولا يحصد غير روح ذاوية أغصانها و أزهارها وعمرها في ذبول أبدي ،
هذا المقطع أيضا لا يقل عن سابقيه في كثافة التعبير وغزارة الصور والمعاني والدلالات واللفتات اللغوية التي شكلت
جسد القصيدة أبرزها :
- الأسلوب الخبري المحض وقد جاء بطبيعته التفسيرية ليوضح صدق التجربة التي عاشها
الشاعر حقيقة أو خيالا .
- التراكيب والجمل جاءت فعلية تجيش بالصدق الشعوري وتعطي النص الكثير من الحركة والتفاعل والحياة ،وتعكس فوضى حياة المغترب ،
وقد وردت في مجملها بأفعال ماضية " خرجت , قالوا , عشت , دنا ، للدلالة
عدا المضارع " أحصد " للإيحاء بلاشيئة
المقابل نظير ما يقدمه المغترب في الحياة،
- " الفنا , والطاعون " مفردتان بائستان توحيان بتعاسة اليمني آنذاك وعوامل هلاكه القاسية وأقداره الوحشية التي تستهدف حياته ،
واختار كلمة " موسم " للطاعون من باب السخرية والتهكم من أسباب هلاكه ،فكأنه صار عادة وموسما يأتي كل عام ،
وكلمة " قالوا دنا " توحي بالذعر وشدة تداول الناس أخبار الحياة المخيفة وما تحمله من معاني الإنذار والتهويل والرعب ،
- رغم قدره البائس وانعدام كل أسباب الحياة إلا أن اليمني لازال يعطي الحياة لآخر قطرة عرق ،
ومن حظ النكد البائس عشت أنا "
عشت ازرع الأرض " ذروة الإحساس بالحياة والحاجة للعيش رغم مشقته ،
عشت " ازرع " إيحاء بالحركة والعطاء
ويأتي المقابل المغاير والواقع الحتمي
" أحصد روحي الذاوية "
لا يلاقي المرء لقاء معاناته غير الخيبة والألم
ونفاد عمره الوردي في قدر البؤس والمعاناة ،
هذه هي حقيقة الإنسان اليمني ،يعطي أضعاف ما يأخذ ،يعطي ولا تقابله الحياة بغير البؤس والنكدِ .
🎸- ذكرت أخي كان تاجر أين ما جا فرش
جو عسكر الجن شلوا ما معه من بقش .
بكر غبش أين رايح قال أرض الحبش
وساري واليوم قالوا حالته ناهية.
في هذا المقطع - الذي اتخذ شكلا إيقاعيا مختلفا في الأسلوب الغنائي لدى فنان الأغنية - يبرز الشاعر صورة لحالة الإنسان
اليمني الذي لم يجد بدا من الاغتراب ،فالحياة في بلاده لم تعد تتسع لأحلامه الصغيرة ورغبته في إنعاش حياته وعمل شيء يعيل به أهله ويقيهم ذل الحاجة ،
فهو يحكي عن تجربة خيالية الشخصية واقعية الحدث ،
فقد كان أخوه تاجرا يفترش الشوارع للتجارة البسيطة وتدبير معيشته ؛ إذ لا أسواق هناك متاحة للبسطاء ،
فالحياة هناك عشوائية كواقع البلاد
لكن قانون الاستبداد الكهنوتي و عسكر الإمامة الظالمة أنهت طموحات وتطلعات مواطن بسيط للعيش في العفاف ،
أخذ أولئك القساة الجلادون كل طموحاته وأحلامه فلم يجد بدا من الرحيل ، ولعل في هذا المشهد التراجيدي ما يعلل اتخاذ المواطن المقهور قرارا قاسيا كالاغتراب ،
سافر رغبة في العيش لكن الغربة هي الأخرى كانت له بالمرصاد فلم تسلم روحه فيها،
تعد هذه القصيدة سجلا تاريخيا بسيطا يؤرشف لحياة الإنسان اليمني وقدره البائس ومعاناته التي لا تنتهي داخل الوطن وخارجه .

تعليقات
إرسال تعليق