سلسلة من هدية النبوّة- مقالات..للدكتور/ أحمد شديفات
(١)
بسم الله الرحمن الرحيم
غربلة
هذا هو زمن الغربلة الآن ........................
فالغِرْبَالُ :- معروف أدَاةٌ دائِرِيَّةٌ يُغَرْبَلُ بِهَا الحبوب مما علق بها من شوائب وَمَا إِلَى ذَلِكَ ،وهي تُشْبِهُ الدُّفَّ ،ويَشُدُّ مُحيطَها جِلْدٌ أَوْ مَعْدِنٌ وبِهِ ثُقُوبٌ صَغِيرَةٌ تُنَقِّي الْمَادَّةَ الْمُغَرْبَلَةَ وتعزلها عن الشوائب،
فالأعلى هم الصفوة والأدنى هفوة
وقد ورد في حديثه صلى الله عليه وسلم قالَ:-
(كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ)
أَوْ (يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ زَمَانٌ يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً
تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنْ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا)
وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ،
فَقَالُوا: وَكَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ:- (تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ ***
وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ ***
وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ ***
وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ) توضيح وتقسيم نبوي شريف.....
فالغربلة صورة حقيقة أدركناها ورأينها وفهمناها وعملناها وطبقناها في غربلة الحبوب ،وقد أنتهى وولى عهدها إلى غير رجعة، وغربل يا غربال ذات اليمين والشمال من أجل أن يسقط كل الزُّوَانُ وحثالة آخر الزمان، لأنه لم يبق عندهم وفاء للعهود والمواثيق والأمانات، وحل في دمهم الغدر ونقض العهود والخيانات.
ضاعت الأمانة وحلت الغمة وجاءت الطامة وأختلط الحابل بالنابل واشتبهت الأمور وتداخلت كالأصابع مع بعضها البعض ولم يعد هنالك انفكاك لعدم وجود حلول لسوء النيات وكثرت فعل المنكرات،
وتعد الغربلة مرحلة من مراحل التصفيات وإنهاء الخدمات والانتقام من أناس عاديين أو شخصيات أو تدمير مؤسسات وقد يصل أنهى دول وحكومات...وكل ذلك حَمَاقَات.
قال الله تعالى :-
(لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ* وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ* فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ..)
هذه هي الغربلة الصحيحة والمعايير والمواصفات التي تفصل الطيب وتميزه عن الخبيث، ثم في نهاية المطاف النفايات المغربلة يتم جمعها ثم حرقها، لأنه لا يستفاد منها وبقائها أذى وعفونة ،
قال صلى الله عليه وسلم{... وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ...}}
وفي هذه الأيام ذهب العقلاء الحكماء أهل المشورة والرأي الثقات الصادقون وتغيبت هذه النخبة قسرا بشتى الطرق والوسائل من بدأ من الاعتقال والسجن والطرد من المسؤولية وقد يصل حد القتل والتنكيل إلى غير ذلك كثير وهذا هو الذي يصير دون تقصير وإلى الله المصير.....
ثم يطفوا على السطح كومة من القمامة الخبثاء الرعاع فاقدي الأهلية السفهاء بادئ الرأي يفسدون ولا يصلحون كذابون هؤلاء هم من يسقطون من ثقوب الغربال رياء ونفاقا يتكلمون في أمر العامة فيما يعود على خاصتهم كما أشار الحديث أعلاه في مرماه........
ونذكرهم أن يوم القيامة تختلف الموازين والغربلة ويكون الفصل من رب العالمين بسور غير معهود للمغربلين (...فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ**هذه هي مواصفات السور الدقيقة من الداخل.
وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَاب*** لا يوجد سور بمثل هذا السور يصلح لحالتين في آن واحد رحمة وعذاب معا.
هذه هي الغربلة والزوان يرمى خارج السور في ثبور ودحور وعذاب،
{{...إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ...}}لهم جنة ولباسهم حرير
(٢)
دندنة
يراد بكلمة دَنْدَنة صوت خفيٍّ يُسمع ولا يُفهم إلا ممن يردده في نفسه في حركة شفتيه، وبه يتلفظ أناس كثيرون عقب الصلاة المفروضة وفي ذهابهم وإيابهم ،وفي أمورهم الخاصة،
ومن لطائفه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، أنه قالَ لرجلٍ :- "ما تَقُولُ في الصّلاة "
قالَ الرجل: أتَشَهّدُ *
ثم أقولُ "اللهم إني أسأَلُكَ الجنّةَ وأَعوذُ بكَ منَ النّار"-
ثم قال الرجل للرسول "ولا أُحسِنُ دَنْدَنتكَ ولا دَنْدَنةَ مُعاذ" يا رسول الله؟؟؟؟
ثم قال صلى الله عليه وسلم : "حَوْلها نُدَندِن" أي على مثل دندنتك ندندن، نسأل الله الجنة ونستعيذ به من النار...الحديث صحيح الفتوحات الربانية صفحة 17/3
سؤال لطيف ومحاورة خفيفة من الرسول مع هذا الرجل ،ودرس تعليمي يا ليت أن نتعلم من أدبه وحكمته عليه الصلاة والسلام وتطبيقه،
ثم بصراحة قال الرجل : (أتَشَهّدُ)أي أشهد أن لا إله إلا الله ،وأشهد أن محمدا رسول الله، هذه بداية دندنتيه،
ثم قال الرجل هذه دندنتي :- " اللهم إني أسأَلُكَ الجنّةَ وأَعوذُ بكَ منَ النّار" كلام مختصر مفيد في طلب الجنة، والتعوذ من النار، وهذا هو المقصد من طلب العباد والهدف الحقيقي لكل مسلم،
ثم أظهر الرجل حاله ومآله أنه لا يحسن الدعاء والسؤال والمسألة أكثر مما ذكره للرسول ، فهو لا يعرف كمثل دعائه صلى الله عليه وسلم ودعاء معاذ بن جبل رضي الله عنه وإلحاحهما بالدعاء على الله،
وكأن الرجل يشعر بتقصير في نفسه عنهما قائلا :- (ولا أحسِنُ دندَنَتك ولا دندَنَة مُعاذ) يا رسول الله ،وقال صلى الله عليه وسلم أنا ومعاذ مثلك أخذ لخاطره "حولها ندندن" نسأل الله الجنة ونستعيذ به من النار.
عرض حال في أحسن حوار بمنتهى الجمال والروعة في هذه المحاورة الممتعة الشيقة، بين معلم البشرية ومتعلم يرغب الاستفادة من النبي صلى الله عليه وسلم وقد تعلمنا نحن من هذا الهدي، ثم ماذا نتوقع جوابا لو كان الرد من أحدنا لهذا السائل "لا أحسنُ دَندنتَكَ" أترك الإجابة لكم أصدقائي؟؟؟
ثم نتابع محاورة الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يشحذ همة الرجل بعد قوله( أتشهد) فقد أتى على مقصد الرسالة والتوحيد، وهي شهادة أن لا إله إلا الله،
ثم زاده علما وطمأنه صلى الله عليه وسلم انه ومعاذ (حَولهُا نُدَندِنُ)حول الشهادة والدعاء لله فما أحلاها من دندنة هدفها التشهد والتوحيد لله عز وجل،
وكم هي دندنتانا اليوم وهمساتنا ورسائلنا وأسرارنا وإعلاننا فقد اخذت وسائل الاتصال جُلُّ اهتمامنا وكل أوقاتنا وفراغنا وفي مجالسنا وتحركاتنا حتى في سياراتنا وشوارعنا وسهراتنا مع أنفسنا وأهلينا وأولادنا وفي ذهابنا وإيابنا وكل أحوالنا حتى لم تعد تخلوا من ذلك عباداتنا من دندنات مع الصلوات من هواتفنا ومراسلاتنا، هي دندناتنا المزعجة حقا!!!!لنعود إلى دندنة ذلك الرجل؟
ثم كم من سائق عمل حادث وهو يهاتف الآخر بدندناته ، أو فتى جنى على فتاة بتلك الدندنات ، أو موظف عطل مصالح الناس بمراسلاته ،وقس على ذلك كثير من الدندنات على الهواتف والموبايلات كلام في كلام.
قال صلى الله عليه وسلم(مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَالاَ يَعْنِيهِ) الجواهر اللؤلؤية شرح الأربعين النووية 123...وإلى لقاء بمشيئة الله
(٣)
تتمة "الدندنة"
أين قيمة الوقت والدندنة التي ذكرها عليه الصلاة والسلام :-
قال (نعمتانِ مغْبُونٌ فيهما كثيرٌ من الناس الصِّحَّة والفراغ )صحيح أخرجه البخاري 6412
إذن بادر قبل أن تغادر فالوقت كالسيف أن لم تقطعه قطع أنفاسك،،،،
آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين سَلْمانَ وبينَ أبي الدَّرْداءِ رضي الله عنهما ، فنصح سلمان أبي الدرداء فقال:-
إنَّ لنفسِكَ عليكَ حقًّا،
ولربِّكَ عليكَ حقًّا،
ولضَيفِكَ عليك حقًّا،
وإنَّ لأهلِكَ عليكَ حقًّا،
فأَعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه،
فأَتَيا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فذَكَرا ذلكَ؟ فقال له: صدَقَ سَلْمانُ" صحيح الترمذي2413
ما أجملها من حقوق فأعط كل ذي حق حقه لا تتوانى ولا تسوف؟؟؟؟؟؟
استمتع بدندنة دنياك فيما لا يضر دندنة آخرتك، ولا تنسى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أفضل دندنة تسجل لك .......
وتذكر أن هذه الوسائل والرسائل والاتصالات جعلت لخدمتك وليس من أجل ألهاك
(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ )
قال صلى الله عليه وسلم :-
(إِنَّ كُلَّ لَهْو لَهَى بِهِ الْمُؤْمِنُ بَاطِلٌ*
إِلَّا فِي ثَلَاثٍ:-
رَمْيُهُ الصَّيْدَ بِقَوْسِهِ*
وَتَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ*
وَمُلَاعَبَتُهُ امْرَأَتَهُ*
فَإِنَّهُ مِنَ الْحَقّ..).
صدقت يا رسول... - صيد وتأديب وملاعبة ،،،،،،،،
لتكن دندنتك في سؤالك الله الجنة ،ولا تنسى التعوذ (نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)
كل هذه الدندنات تذهب هباء منثورا ،إلا ما كان في ذكر الله تعالى:-
{{ لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا ........
مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ .......
أَوْ مَعْرُوفٍ ......
أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ .......
وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ .....
فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا }
فأنت صاحب الاختيار فأختر ما يرضي الله ورسوله،
اليوم دندنات – هواتف وموبايلات وجولات وتلفونات متنوعات وملهيات منسيات،
وغدا ممات سيئات أو حسنات........تلك هي الدندنات الباقيات.

تعليقات
إرسال تعليق