أترك يدها - سرد قصصي..للقاص/ وليد العايش
استيقظت هذا الصباح باكرا على صوت المؤذن وهو يرتل بعض الآيات قبل حلول وقت صلاة الفجر ، توجهت إلى ذاك السرير المغبر ، وجهه الأسود لم يتأثر بحلول الشمس .
أمسكت بيدها بعد تركت قبلة ساخنة على جبينها فتبسمت رغم شحوب وجهها ، شدت على يدي أكثر مما كنت أظنها تفعل ، كانت يدها الممتلئة بالتجاعيد أقل قوة بكثير مما كانت عليه ذات يوم .
باليد الأخرى سكبت بعض الماء بين شفتيها ، ثم دتوت أكثر فقد كانت تود أن تحدثني بأمر ما ، اختفت الكلمات خلف أفق لسانها الذي أبى أن يلبي رغبتها .
ازداد الألم وكأنه يهوى ساعات الصباح الأولى ، هناك على وجنتين جميلتين حفرت دمعة أخدودا طويلا عميقا كبئر ومالبث أن انتقل إلى وجنتي أيضا مما جعل الدمعة تلاقي شقيقتها في لقاء مثير انتظرته كثيرا .
الساعات تمضي على مهل متثاقلة كسلحفاة هرمة، الصباح بدأ يودعنا على أمل اللقاء في فجر آخر ، حاولت مرارا الابتعاد عنها دون أي جدوى ، ففي كل مرة كانت تتشبث بيدي وتتمتم بكلمات دون ريش .
ظننت بأن مجرد دقائق أو ساعات ستعبر كغيوم الخريف، فمكثت مع من حولي يينما عيناي تختلسان النظر إليها كي لا تشعر بالشفقة التي خبأتها في ذاكرتي كي لا تراها فأنا الأدرى بمدى كرامتها التي لم تغادرها حتى اللحظة .
حاول أخي أن يمازحنا بنكتة عابرة، ضحك الجميع إلا هي ، رمقته بنظرة فاضطر للصمت على مضض .
الساعة تتجاوز الواحدة ليلا ، مازال الكل على قيد السهر ، ومازالت يدي معلقة بين أصابعها ، أحسست ببرودة تسري في أطرافها مما أصابني بالخوف والقلق ، كان لابد من تحرك مختلف .
دخل الطبيب بحقيبة سوداء ، قام بما يتوجب عليه أن يفعل ثم غادر الغرفة هامسا لأحد الحاضرين بشيء ما ، لعله كان يخبره باسم الدواء أو لعله كان يطلب أجره الليلي ، قلت في نفسي .
( لن تبق حتى الصباح فالأمر محسوم يا أبي ) همس ابني دون أن يسمعه أحد ، هكذا أخبره الطبيب ، أبعدته عني عنوة فلا أريد أن استمع لمثل هذا الكلام وكذلك البقية .
يوم ، اثنان ، ثلاثة ، أسبوع مضى دوم أن يتغير أي شيء ، والأهم بأن اليدان مازالتا على قيد العناق ، والشفاه تتحرك كعقارب الساعة لكن بلا صوت أو حتى صدى .
جاء الطبيب مرة أخرى بعد ظهر اليوم ، كان متفاجئا بما رأى ، فهي على ذات الحال ، عاود إجراء الفحص ثم مسح جبينه من حبات العرق التي ملأته وتصببت عبر نهر يصل إلى أسفل جبينه .
لعله تلكأ أو كان أكثر ارتباكا ، أو أنه يخجل من الحديث عن أمر يخفيه في صدره ، لكنه أخيرا حزم أمره واقترب مني هامسا : اترك يدها ... اترك يدها ... فهي بحاجة للراحة..

تعليقات
إرسال تعليق