هل أنت بخير - مقال.. للأستاذ/ خالد بادي

هل أنت بخير

سؤال متكرر نسأله للغير مرة ونسأله لأنفسنا عن أنفسنا في اليوم الواحد مرات ومرات .


بالنسبة لمن نحب ربما نكتفي بالرد : نعم ، أنا بخير ، وتختلف ردود أفعالنا نحو غيرنا عندها ، بعضنا يكتفي بالرد ويمضي إلى حال سبيله ، لكنّ بعضنا الآخر يمنعه شيءٌ ما داخله أن يطمئن كل الاطمئنان لتلك الإجابة القصيرة المباشرة " نعم أنا بخير " ، شيءٌ ما خفيٌّ داخله يحدثه أن محدّثه ليس على ما يرام ، ربما المجيب يكون بخيرٍ جزئيّ يرضاه ، لكنه لا يُرضي طموح السائل ، فيلحُّ بالسؤال كثيرا ، ويُبدع في تغيير نمط إلقاء الأسئلة مستخدما كل الحيل المتاحة حتى يطمئن تماما إلى حال من يسأله .


الأرواح لا تعرف القيود ، والمشاعر عاش الإنسانُ ومات واخترع كل الاختراعات وجال وصال في كل الطرقات بل وتكبر وتجبر وظلم واستبد عندما مكنته نفسه من أن يسجن كل شيء طالته يده ؛ لكنه ظل وسيظل - بفضل الله - عاجزا عن سجن الروح ، عن سلبها أعز ما وهبها الله لها " الإحساس " .


نعود للسؤال : هل نحن بخير ؟؟


إن كان الغرض من السؤال هو الخير " المطلق " فاهدأ عزيزي ، وهديء من روعك ولا تكلفها فوق طاقتها ، لا ، كلا وألف كلا ، لن يحدث أن ينال الإنسانُ خيرا كاملا ، ولا خيرا دائما ، لكن هناك من يستعيضُ - وبجدارة - عن أعظم ما يتقاتل عليه السواد الأعظم من الناس من مال وسلطانٍ وجاهٍ ومُلك بأشياء هي الأعظم والأسمى .


هناك من إن أشعرته بآدميته أشعرته بأن الكون كله ملك يمينه ، هناك من تأسره البسمة والقبلة والحضن الدافيء والكلمة الطيبة .


أعجبني سلوك أحدهم وهو يحدثني عن معاملته لأولاده إذ يقوم لهم بغير مناسبة فيحتضن هذا ويتضاحك مع هذه ، يهتف لزوجته فتقبل فيعطيها كلمة حب أو شوق في قلب روتين الحياة وكما قلت " دون مناسبة " ، من يستشعر أهمية ومكانة اللطف والملاطفة مع الغير بلا مقدمات ولا أسباب .


بغير أن نشعر عبر أجيال وأجيال صعّبنا علينا حياتنا وعقدناها وحرفناها وضيقناها وسجنا أرواحنا في مساحاتٍ ضيقة ماسخة ، وربطنا " الخير " بروابط هشة كاذبة خادعة زائلة لا قيمة لها أبدا مهما امتلكنا إن لم تكن عقولنا وقلوبنا واعية مستنيرة مثقفة بثقافة " الحياة " وليس ثقافة الأرقام والحسابات .


لن تجد ابنك كاملا ، لن تجد زوجتك على ما رسمت وخططت مهما كان ذكاؤك وتبصرك وتروّيك في اختيارك قبل الزواج ، لن تجدي زوجك أو حبيبك البدر الساطع والشمس المشرقة على الدوام ، تعالوا لننظر بعيون المحبين المتسامين عن أي نقص ، فنغيره ونعدله ونغطيه ونكمل الناقص فيه ، ونمدح أعزاءنا ونتجاوز معهم نواقصهم ونغفر لهم ما لم يُمنحوه من رب العالمين ، دعونا نحتسب كل نقص في حياتنا ، ثم والله والله والله لن نصدق أعيننا ولن نستطيع ملاحقة العِوَض من رب العالمين .


" ازرع المعروف في أهله وغير أهله ؛ فإن صادف أهله فهو أهله ، وإن لم يصادف أهله فأنت أهله " .


لو فهمنا ذلك ودربنا أنفسنا ومرناها على هذا المبدأ - وبالذات في المراحل الأولى من أعمارنا - فستنطلق أرواحنا إلى مناطق رحبة من الهدوء النفسي والاستقرار الروحاني بسمو وجمال لا مثيل له .


ومن أجل أن نفعل ذلك ونتسامى من أجلهم ومعهم أكثر وأولى ممن هم داخل " دوائرنا " القريبة كالأزواج والأبناء والإخوة و " العشاق والمحبين " ؟؟!!!!


عندها فقط سنكون " بخير " .


جربوا ولن

تندموا





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خيانة بيضاء _ شعر النثر ..للكاتبة/ مجيدة محمدي

نهاية النهاية - سرد نثري.. بقلم/ طارق غريب

ذات ليلة - قصيدة النثر.. بقلم أ/ نادية الصاوي