طرحة العروس - قصة قصيرة..للكاتبة/ رنا يوسف
أملأ فمي بالترهات، وأحاول إرضاء جميع الأطراف السياسية، أنحتُ ابتسامة مصطنعة على وجهي القمحي، ثم أصبغ وجهي بكمية ليست قليلة من مساحيق التجميل من ماركة مشهورة كي أبدو واثقة، أردد عبارات:
- أنتِ رائعة.. سيعجب بكِ لا محالة.. زيدي قليلا من أحمر الخدود هنا.. لا .. لااااا لا ... ليس هذا اللون الباهت بل ذاك الفاقع.. أجل ممتاز، سيقع في حبكِ فورا..
أرد على نفسي بسرعة:
- هه! بل قولي سيقع في حب المساحيق!
- أوووه، أنتِ جميلة يا فتاة، وما هذه إلا إضافات.. هيا فلنبحث عن فستان السحر الأحمر... واو اللون الأحمر يجلب الثور من قرونه، ما رأيك به؟!
- هل أنا جارية في سوق العبيد؟!
- أووووف، هيا البسي وكفاكِ مماطلة، الرجل ينتظر في غرفة الضيوف.
ارتديت الفستان الضيق الأحمر، لأبدو كعارضة مشهورة، وكعباً عالياً أسود اللون تكفل بكسرٍ خفيف لطيف، ثم لففتُ طرحة سوداء على شعري الذي أحرقته بالمكواة حتى أنازع نجوم التلفاز، أووه لحظة! نظرة خاطفة في المرآة، فُتِحَ باب غرفتي، وصفقت أختي الصغرى مبهورة والتي تزوجت منذ أعوام لتجلدني العائلة بأنني لست ملفتة، والآن أخيرا جاء سعيد الحظ! يا ترى هل سيقبل بي؟ كلمات أمي ترن وترن: عليكِ أن ترغميه على القبول بكِ، تزيني لتجذبيه، اجعليه يثمل فقط من مجرد رؤيتك ليطلب المزيد ألا وهو الزواج منكِ. هل تريدين أن تصلي للأربعين؟!! عليكِ أن تستأصلي قلبه لو تطلب الأمر ذلك واغرسي اسمك وشكلك داخله، ثم أعيديه إلى مكانه، أحكمي السيطرة يا فتاة!
وأخيرا تصفيقة أمي وقالت بفرحة عارمة: هذا هو أجل، أجل هذا هو! إنه يهتم بالقشور، لذلك على القشرة أن تلمع وإن كانت الفاكهة فاسدة.
اعتصرت الغصة قلبي، قلت بصوتٍ أحاول أن يبدو هادئا:
- هل أنا فاسدة؟
رمقتني بنظرة استغراب وهي تقول: وهل ظننتِ أنكِ يانعة؟ إنه شاب في الثامنة والعشرين وأنت على مشارف الأربعي.....
غادرت الغرفة لأحسم القضية، علي أن أحصل عليه، سوف أرقص لو تطلب الأمر ذلك، دخلت الغرفة -التي يحل فيها عريس الغفلة ضيفا برفقة أبي- مطرقة، وقفت في المنتصف الذي خذلني دائما ورفعت رأسي، أسنانه الصفراء التي تدل على رجل شره في التدخين هي أول شيء قابلني، كانت عيناه مذهولتان وهو يتأملني من رأسي وحتى أخمص قدمي كالسلعة، بدا وجهه كدكان هموم، وعيناه المحدقتان بعناية بحرا من الأحزان، تمتمت في نفسي: يا حبيبي هذا ما كان ينقصني! ولكن لا بأس، سأرمي بنفسي داخل البحر وأسبح بعناية حتى تكبر تجاعيدي رويدا رويدا، سأغوص إن تطلب الأمر، وسأبتاع من الدكان ما طاب ولذ من المأكولات الحارة، والمواد الحافظة، سأجري مع التيار، فذلك أفضل من فوات القطار!
تنحنح ثم وقف قائلا: هذا غش! يا عمي، لم أعد أريد الزواج من ابنتكم.
وقف أبي مرتبكا وقد كان قبل ذلك يسدد إليَّ نظرات نارية قاتلة وسأل محرجا: ما الأمر؟ ألم تعجبك، ربما كانت تكبرك عمرا لكنها جميلة وأيضا هي تبدو أصغر من عمرها!
ابتسم ساخرا وأطلق كلمات مستهزئة كالرصاص: جميلة! ما الجميل فيها؟!
قال تلك العبارة وهو يشير إليَّ بسبابته من الأعلى للأسفل والعكس، ثم استرسل: هل ترى أن هناك جمالا هنا؟ لا أرى سوى قناعا! مساحيق تجميل بارزة، ربما حاولت أن تبدو طبيعية لكنني أعمل في متجر لمستحضرات التجميل فكيف ستخدعني؟! لقد اتفقنا أنني سأرى الكائن الطبيعي الذي سأعيش معه! ما رأيكِ يا آنسة؟
ابتسمت جيدا لأبدو واثقة رائقة هادئة البال، وقلت: حسنا إذا، على ما يبدو مفيش نصيب!
أدرت ظهري ورحلت، وفي غرفتي صببت جام غضبي ولعناتي على المرآة، وعلى أمي التي لم أكن أعتبرها أما فهي تجلدني منذ عشرة أعوام وتسميني (عانسة)، جاءت عانسة، ذهبت عانسة، نامت عانسة، رقصت عانسة، شهقت عانسة... يا لجنون ما فعلته ذلك اليوم! لقد حولت المساحيق في وجهي إلى خريطة الوطن العربي الهزيل، وأخرجت من فمي كل الشتائم، وحطمت كل المرايا، وشددت شعر أختي التي لم يستطع أحد إنقاذها سوى شعوري بالرضا لما فعلت بها.. أغلقت الباب على نفسي أياما لا أحصي لها عددا، وكان الجميع يتجنب لقائي، طعامي كان الحلوى المخبأة في حقيبتي وتحت سريري، ومائي لما يكن سوى قطرات من قارورة مياه معدنية أحضرتها معي حين عدت من العمل.
ذات يوم شديد الكآبة، وفي عمق منامي دخلت أمي لغرفتي باسمة، ضربتني بفرح وعيناي لمَّا تصحوان جيدا وهي تزغرد وتقول: نجحتِ في الاختبار! نجحت وقال العريس أنه يريدك، واعتذر عما قاله لك وهو مستعد للاعتذار منك شخصيا!
- اخرجي يا أمي وقولي للعريس انتهى الأمر.
عدت للنوم وأمي تولول: هل ستفوتين فرصتك في لبس الطرحة؟ يا حمقاء هذا اليوم لن يعود يا عانسة! لن يعود يا عانسة فالقطار سيمضي!
يا عانسة فتحت عينيَّ عن آخرهما، وأطلقت زفرة....
الان أقف وسط الجمع، الزغاريد من كل صوب، والعريس ممسك بيدي، وباقة الأزهار تفوح شذا وعطرا، والطرحة البيضاء تحيطني وتغطي وجهي بعناية، الأغاني تحيط بنا، ونظرات الحضور تحلق في السماء، بعض العبارات تقول: لم تعد عانسة الان! لكن ربما تكون بائسة غدا! وأخيرا جاء وقت الرومانسية الحقيقية وسط الحشد، عليه أن يرفع الطرحة من على وجهي ويقبل جبيني بتلقائية، لكنه تجمد حين رآني،
- ما هذا؟
- قمر أربعة عشر أليس كذلك؟! ثم غمزت بخبث
- لكن!
- هذا هو الوجه الذي ستستيقظ لتراه في الصباح، ويستقبلك في المساء، وتقاسمه عمرك، أليس هذا ما تريده؟!
تراجع للخلف وهو يصرخ: لااااااااااا ثم سحب باقة الأزهار ورماها على وجهي بكل عنف وقسوة لأفقد توازني وأسقط أرضا...
أظلمت الدنيا من حولي والحشد يتفقدني، ثم ساد الهدوء، وإذا بجسدي يرتطم في الأرض لأصحو على صوت والدتي وهي تصرخ: يا صاحبة النوم الثقيل! يا صماء! هل تسكبين النوم داخل أذنيك أيضا؟!!!
جفلتُ لحظة، ثم استعدت وعيي، جلستُ أتأمل ما حولي بصمت أتفقدني فإذا ببجامة الدب القطبي تلفني، وشعري منكوش كنخلة، آه المرآة المرآة أجل! ركضت نحو المرآة بينما تصرخ أمي: سيأتي العريس لرؤيتك ولم تستعدي بعد!
تجمدت أمام المرآة لست أدري هل كان الخبر ما أجفلني أم انعكاسي على سطحها؟!
التفت لأمي صامتة: أي عريس؟!
اتسعت عيناها وهي تصرخ: أي عريس؟! العريس الذي أحضرته أختك طبعا! هيا أسرعي!
تأملت وجهي في المرآة، كان التاريخ مكتوبا على سطحها بأحمر الشفاه (العاشر من يونيو) كما كتبته، لقد كان حلما! بل كابوسا!! المشكلة هي أنني شعرت بالفضول أي وجه رأى عندما فتح الطرحة؟ كان على الحلم أن يحتوي مرآة ما كي أعرف ما علي فعله!!

تعليقات
إرسال تعليق