يوميات جيران- قصة قصيرة.. بقلم/ رنا يوسف
أمام التلفاز نشرة الأخبار المروعة ذاتها، عنف هنا وهناك، وصمت هنا وهناك، تقلب رنيم القناة لتتابع مسلسلها المفضل لكنها تغفو وهي تتابع، ابنها الذي نام قبل ثانية من إغلاق عينيها قرر أن يصحو فجأة، لتفز من نومها مفجوعة وقد انتحرت بطلة المسلسل، عادت وحملته متذمرة من قرار البطلة الأحمق، ومن الترويج للانتحار في بعض الأعمال. ثم رفعت مرآتها الصغيرة التي لا تفارقها بيدها اليسرى لترى وجهها، اتسعت عيناها،
- ما هذا الوجه؟ ما هذه الدوائر السوداء حول عينيَّ؟ لقد أصبحت كائنا غريبا! هل ترى هذا يا محمد؟
نظرت للصغير الذي يتأملها بدون فهم، ثم أكملت حديثها وهي تخاطبه:
- أبوك ينام كما يشاء، والسهر والتربية لي، جدتك غادرتنا في ثاني أيام العيد بسبب عمتك الحرباء، وبقيت هنا أصب السهر في كؤوس وأشربه رويدا رويدا، ووالدك ينام ويرتاح، لكن أتدري؟ لا بأس دعه ينام طالما أن نومه يملأ جيوبه، المهم ألا ينقطع رزقه، لو انقطع رزقه سنسهر جميعا وأيادينا على خدنا.
رن جرس المنزل فجأة، صاحت:
- افتحي الباب يا نسمة
خرجت ابنتها مسرعة تفتح الباب ودخلت عبير لتهتف نسمة وهي ترتمي في حضنها :
- مرحى! خالتي عبييير..
- يا أهلا ومرحبا بالعزيزة عبير، تعالي هنا واشربي معي أطيب قهوة عربية، وتذوقي معمول العيد الذي أعدته أخت زوجي الصغرى خصيصا لي.
عندما جلست عبير صامتة على غير عادتها، ركزت في وجهها المحتقن، وعيونها المحمرة، وعندما انتهت ابنتها من صب القهوة، وذهبت لغرفتها قالت رنيم وهي تضع كفها أسفل ذقن عبير:
- ما بكِ يا عزيزتي؟ ما الأمر؟ حسنا، أرى أنك بحاجة إلى البكاء! ما رأيك أن تطلقي ما بصدرك كي ترتاحي؟
هنا صاحت عبير بوجع:
- كيف لي أن أرتاح يا رنيم؟ كيف؟
ثم انخرطت في بكاء مرير استمر ربع ساعة، ورنيم تربت على ظهرها مواسية، وأخيرا بعد أن هدأت وغسلت وجهها الأبيض قالت بمرارة:
- تعلمين بأنني عقيم، ولا أمل لي في الإنجاب، كان فادي وما زال نعم الزوج، برغم رغبته في الأبوة إلا أنه يرفض فكرة الزواج علي، ويقول أنني أهم شيء في حياته، فالأولاد سيكبرون ويعيش كل منهم حياته، لكن من سيبقى معه في نهاية المشوار هو الأهم. ونحن على هذا الحال طيلة الخمسة أعوام، يتألم بينما أتأمله، حاولنا أن ننجب عن طريق الأنابيب لكنه انكسر حين فشلت العملية بعد أن خسر ما تعب وجمعه لأجلها، ثم رفض إعادة التجربة، ولقد تقبلت وتجاوزت كل شيء، وقررت أن أتعايش مع الوضع، لكنه أصبح فجأة يتذمر من اعتنائي بأطفال الآخرين الذين يروون ظمأي للأمومة، إنه يتضايق ويصرخ في وجهي، بل ويسخر مني قائلا إن علي فتح مشروع للاعتناء بأطفال الآخرين! يفتعل المشاكل ويتهمني بتقليب مواجعه! وأصبحت لا أفهمه وأشعر بأنه تغير وربما، ربما ظهرت امرأة في حياته غيرته!
أخذت رنيم نفسا عميقا قبل أن تقول:
- ولم لا!
اتسعت عينا عبير وفغرت فاها بصدمة وهي تتابع حديثها:
- عندما يغرق الرجل في فشل علاقته يتمسك بأول يد تمتد إليه، وليس بالضرورة أن يكون بحاجتها بل بحاجة للخروج مع أيا كان من ذلك الغرق. وفادي رجل وسيم ناجح في عمله طيب القلب بالإضافة إلى أنه يعمل في وسط مختلط وأي امرأة تتمنى الارتباط برجل مثله. اسمعيني يا عبير واعتبريني أختا ناصحة، كوني صادقة مع نفسك كي تسير السفينة باتزان، أدرك تماما أنه يتصرف باندفاع، ولكنه أكثر وضوحا منكِ! أنت تتألمين وتدعين التجاوز، ولكنك قلتِ بنفسكِ أنك تروين ظمأك بالاعتناء بأطفال الآخرين وهذا في نظري يخالف التجاوز الذي تحدثتِ عنه. أنت تتألمين وتتمنين أن تنجبي، لكنكِ تخفين الأمر وتتسلين بتربية أطفال الآخرين فيشعر أنه الوحيد الذي يعاني، وأنا واثقة بأنك حين تعانقين الأطفال تتمنين لو كانوا أطفالكِ، أنت امرأة متدفقة الأمومة يا عبير بدليل أن كل أطفال البناية يحبونكِ، وأنت تسدين تلك الثغرة بالجلوس معهم.
- وماذا أفعل؟ هل أتعذب كي أؤذيه؟
- أنا واثقة تماما أنه حين يراكِ ترغبين بالإنجاب وتفصحين له عن شعوركِ وشوقك سيفهم، وربما يتشجع للمحاولة حتى يأذن الله بتحقيق أمنيتكما. ربما كان امتناعه بسبب أنه يرى نفسه الشخص الوحيد الذي ستوجعه الضربة.
ثم ربتت على يدي عبير وقالت:
- ثقي بي، عبد الله هو الأقرب له وقد أخبرني مرارا بأنه يتألم لكنه يكابر، ويقول إنه يشعر بالهزيمة أمامكِ وهو يراكِ صابرة غير مبالية. عليك أن تتحدثي معه، ولا تنسي أن نبي الله زكريا في كبره دعا الله أن يرزقه بالولد! وليس عيبا أن تتمني ذلك.
تنهدت عبير وقد أراحها كلام رنيم، ثم قالت باسمة:
- لقد اكتشفت حكمتك اليوم يا رنيم.
حركت رنيم يدها منكرة:
- أي حكمة، آه لو ترين ما أفعله أنا وعبد الله لتشقلبت من الضحك علي.
ضحكتا أخيرا، على أمل أن يكون الغد أجمل....
#ملتقى_واحة_الأدب

تعليقات
إرسال تعليق