يوميات جيران - رواية ..بقلم/ رنا يوسف
جلس فادي على سلم البناية فجر اليوم التالي بعد أن عاد من صلاة الفجر، كان يفكر ويفكر: كيف وصلوا إلى هنا؟ عاد إلى نقطة البداية، حاول أن يتفهم عبير لكنه لم يستطع؛ فلا شيء يبرر ما فعلته. حاول أن يعذرها لكنه فشل، كان ناقما عليها، وكان هاني ينزل من درجات السلم في ذلك الوقت، وحين رأى فادي ضحك بينه وبين نفسه، وهتف مداعبا:
- وأصبح فادي يجلس على درجات السلم بعد أن كان يعاتبني أيام حبي لمها.
التفت إليه فادي، وابتسم:
- يا لها من أيام جميلة! ليتها تعود.
جلس هاني بجانبه، وربت على ركبته مواسيا:
- اتركها لله يا أخي!.
تنهد فادي:
- لكن الله قال (اعملوا).
وهنا قال هاني متحمسا:
- اهاا، إذا فقد قال اعملوا وليس اجلسوا واشردوا بأذهانكم.
- أنا أتفكر وأتأمل.
- وإلى ماذا وصلت؟
- ما زلت أسأل كيف وصلنا إلى هنا ولا أجد جوابا!
تنهد هاني وقال معاتبا:
- وهل كان عليك أن توصل الأمور إلى هذا الحد لأنها فقط صعدت إلى بيت أخيها؟!
- أنت تعلم جيدا لماذا صعدت؟ تريد تأجيج الوضع، والاطمئنان أن حملها الوديع ينفذ أوامرها.
- مع هذا ما كان عليك أن تطلق، لقد صدمتني!
قال فادي متهكما:
- هه! انظروا إلى من يتكلم! ألم تطلق مها ذلك اليوم بسبب غيرتها من عبير؟
هتف هاني بندم:
- وهل تظنني لم أندم؟ عندما أراجع ما حدث في ذلك اليوم أجد أنني كنت في غنى عن ذلك كله لو احتضنت مها وواسيتها وراضيتها ولكن بقليل من الحزم لم يكن ذلك ليحدث، ولكنني كنت غاضبا بسبب حديث أمي عن تدليلي الزائد لها، وأنها تتحكم بي فانفجرت في وجهها.
لكنني الآن بت أفهم أن المرأة عند خوفها وتعبها بل وغيرتها تحتاج إلى المواساة والحنان أكثر من اللوم، وعندما يطيب خاطرها يصبح الحوار أكثر وضوحا ورقيا ونقاء.
قال فادي بعد تفكير:
- ولكن لا تنكر أن ما فعلته غير مها للأفضل.
- أعلم، ولكنه زرع ذكرى حزينة؛ ذكرى طلاق!. صحيح أنها أخطأت، وكان خطأها فادحا لكنه كان بسببي، هل تعلم أنها ما زالت تغار وتشك، ذات مرة ذهبت لشراء عطر لها كهدية مفاجئة ورششت منه على ذراعي، وحين عدت للبيت تم التحقيق معي كمتهم بالخيانة، ما هذه الرائحة؟ هل تخونني؟ مع من كنت؟ من أين أتيت؟ حتى كاد رأسي ينفجر فأفسدت المفاجأة وذهبت لأحضر العطر من السيارة بعد أن خططت لتغليفه بطريقة رومانسية مع باقة ورد!
ولكنني أصبحت مع مرور الوقت أدرك جيدا كيف أطفئ نارها وغيرتها المشتعلة، وحتى غضبها.
هتف فادي:
- عبير ليست مثلها، إنها لا تقتنع مهما حاولت! لا يغادر اسم صفاء لسانها، إنها تخرجني من طوري! جعلت أمي وأبي يتدخلان بقلة عقلها وغبائها!.
- اعذرني يا فادي فخروج المشكلة كان بسبب ارتفاع صوتك أولا. ومهما حدث بينكما فلم يكن عليك إخراج المشاكل من الغرفة.
صمت فادي مفكرا منتبها فواصل هاني:
- ألا ترى والدينا؟ لم نسمع قط لهم صوتا ولم يكن أبي يدع مشاكلهما تخرج للوسط أبدا، وقد بدأت بفعل هذا مثله وأموري تسير على ما يرام، مهما حدث لم يكن يجب على الأصوات أن تعلو من الأساس.
.......................
عندما صعد فادي برفقة هاني سحبتهما والدتهما لغرفة الضيوف حيث كان والده ينتظر، وقد بدا غاضبا جدا، قال فادي:
- أعلم يا أبي أنك غاضب مني، لكني لا أرى أني فعلت شيئا خاطئا.
قال والده بصرامة:
- أعلم أن الطلاق أمر لا مفر منه أحيانا، ولكن بعد استنفاذ جميع الوسائل، لقد قصدت من كلامي معكما أن أضع عبير أمام الأمر الواقع لتنتبه إلى إحتمالية فشل زواجها وخسارتك، فإنها إذا انتبهت تراجعت ووعت، ثم تغيرت.
هتف فادي بيأس:
- لن يحدث ذلك يا أبي! إنها ترى بالفعل أن وضعنا ليس على ما يرام.
- وما المشكلة من الصبر قليلا لنجرب؟ هاه؟ أرجعها لذمتك.
رد فادي بإصرار:
- لا.
وكانت المرة الأولى التي يخالف فيها أمر والده، تأملته والدته بصدمة، ثم نقلت نظرها لوالده الذي يجلس بجوارها ممسكا بعصاه، أما هاني فكان مطرقا محتارا. قال فادي بسرعة، وهو يجثو على ركبتيه أمام والده:
- أرجوك يا أبي، سامحني، لكنني لا أستطيع مسامحتها حتى تعترف بخطئها.
قال هاني ناصحا معاتبا:
- أنت تعلم ما عليك فعله لتعترف وتفهم.
التفت إليه فادي وهز رأسه نافيا، ثم قال متوجعا:
- يؤلمني قلبي يا أخي! لا أريد أن أقترب منها بعد الآن ولو خطوة واحدة. لا أريد أكرهها أكثر!.
..............
عند الرابعة عصرا كان عبد الله يجلس متثائبا في صالة منزله وقد استيقظ لتوه من قيلولته، جاءت رنيم إليه حاملة صينية بها قهوة عربية وقطعة كبيرة من التريليجية أو ما تسمى (كيكة الحليب بالكراميل)، جلست بقربه تنظر إليه بتودد وهو يأكل مستمتعا، ويقول:
- آه أقسم أن لدي زوجة رائعة!
ازدادت ابتسامتها وعانقت ذراعه، وقالت:
- أنت أيضا زوج رائع يا عبد الله! لن أجد لك مثيلا!
صمت قليلا وكوب القهوة معلق بيده، ثم قال بريبة:
- لقد سمعت هذه العبارة من قبل! هل هناك تكملة لها؟
قالت بسرعة:
- طبعا طبعا! يقولون إن الزوج يصبح أكثر روعة عندما يجالس أطفاله في غياب زوجته!.
هب واقفا وصاح محتجا:
- هذا هو إذا! زوج رائع ها؟ لا لا لا لا لا لا لا تقولي
- بلى يا عبد الله سأقول
- لا لا لا لا لا لا لاااا لن أفعل لن أفعل!
- أرجوووك! لن أتأخر، فقط ساعة ونصف! ما الذي ستخسره؟ ساعة ونصف تجلس فيها مع أطفالك، والثلاجة بها صينية كبيرة من التريليجية التي تحبها، ومحمد قد رضع حتى شبع ونام، ولن يستيقظ قبل عودتي!.
وضع كوب القهوة وصفق:
- هو هذا هو هذا، سوف آكل التريليجية، ثم أخسر عشرة كيلو جرامات من وزني وأنا ألاحق الصغيرة، وأستمع لثرثرة الكبيرة، ناهيك عن الركض بالصغير هنا وهناك! سوف أخسر كليتي حتى!
قالت متوسلة:
- عبد الله أرررررجوك، حتى بناتك متحمسات لقضاء الوقت معك! صحيح يا أميراتي؟
التفت البنتان وهما تشاهدان برنامجهما المفضل على التلفاز، وصاحتا بحماس:
- أجل!
- هل تريدان قضاء الوقت مع أمكما أم أبيكما؟
قفزتا راكضتين نحوه وكل واحدة تشد ذراعا:
- أبي... أبي... أبي!
أُسقِط في يدي عبد الله، ولم يجد بدا من استلام المهمة، فقد قررت رنيم الخروج برفقة مها التي أرادت تغيير جو والفضفضة لها، ووافق هو على ذلك حفاظا على نفسيتها من التعب، وها هو الآن يرسم ويلون برفقة بناته واضعا قلم الرسم بالدرجة 7B خلف أذنه اليسرى، كان رساما بارعا للغاية وكانت الرسمة لفتاة صغيرة ترتدي اللباس الفلسطيني، وتحمل علم فلسطين بيدها وفي الأخرى غصن زيتون...
............
في المقهى ذو الإضاءة الخافتة المتغيرة الألوان كل خمس دقائق، والذي يطل على الشارع الرئيسي متوسطا محلا للعبايات، ومطعما للوجبات السريعة، تصدح فيه أغانٍ عربية قديمة وطنية وعاطفية تارة، وتارة تغرد أغان فرنسية، وعلى طاولة تطل على الشارع من جدار زجاجي تزينه من الداخل أصص بها نباتات وورود مختلفة، جلست مها مهمومة واضعة نظارتها الشمسية فوق حجابها تمسك شوكة الطعام في يدها وتسرح بخيالها، وبجوارها عربة تنام داخلها ابنتها الصغيرة (ورد)، تجلس رنيم في الكرسي المقابل لها والتي ترتدي نقابها الذي لا يسمح لها موقعهما برفعه، تنهدت مها:
- ما الذي يحدث لنا؟ لوهلة تذكرت مشكلتي مع هاني، وما حدث يومها، وظللت أسأل نفسي: هل ستندم عبير كما ندمتُ أنا؟ أنا متعبة يا رنيم! أشعر بأنني خاوية!
- لم لا تنصحينها؟
هنا انفجرت مها ضاحكة بمرارة، وقالت:
- هل تعلمين ماذا فعلت عندما حاولت نصيحتها؟ ذكرتني بسيئاتي!
أطرقت رنيم بحزن، ورفعت كوب قهوتها تشربه من تحت نقابها، قالت:
- عبير... امممم كيف أصفها؟! هي طيبة، ولكن... ما تحت الطيبة قناعات تتبناها، أرادت دائما أن تصبح أما لتحافظ على شكل الأسرة الراسخ في ذهنها، وعلى الرغم من عقمها إلا أن فادي أحب الحياة برفقتها، ولم يكن على علم بما خلف الطيبة من قناعات. هو والأطفال كانوا في نظر عبير ملكية خاصة بها وكل منهما مرتبط بالآخر، لم ولن تسمح لامرأة ولو بمحاولة العبث حوله، أو التفكير في أخذه منها، وكذلك كفاحها لتنجب له الأولاد وذلك ليس لشيء سوى الحفاظ عليه كي لا يتزوج يوما متعللا برغبته في أن يصبح أبا. لم يكن حبا للأولاد فحسب إنما رغبة عارمة في تطويقه ومنع أي سبب قد يشعره بحاجته إلى الزواج.
وضعت مها يدها على خدها وقالت:
- والحل إذا؟
- الحل في يدها بأن تدرك أن السعادة لا تأتي ببقاء الزوج أو الإنجاب، فكم من أم تعاني عقوق أبنائها وكم من زوجة تشكو برودة الحياة مع زوجها. عليها أن تدرك أن محاولاتها لن تحافظ على زوجها وتختمه باسمها بل ربما تصرفه عنها!. وعلى فادي أن يشغل بالها من كل ذلك، أن يأخذها في نزهة، سفر لمدينة قريبة، أو دولة أخرى لقضاء الوقت معها، وألا يشعرها برغبته في الأبوة أو حزنه. ليحزن ولكن لا يطل أو يضغط عليها، أظنها مرة اشتكت لي عن احتجاجه لتربيتها أولاد الآخرين وقال كلاما جارحا في حقها، ومنذ تلك الأيام تغيرت عبير، بل تحولت إلى أخرى! لقد أخرج رغباتها المكبوتة بذلك وجعلها تلتفت لاحتواء طفل من دمها ولحمها بعد أن كانت مكتفية باحتواء أطفال الآخرين.
- لا أعلم إن كانت المياه سوف تعود لمجاريها كي يأخذها في نزهة. أشعر بأن كل شيء انقلب رأسا على عقب.
عادت رنيم أخيرا وركضت بناتها لحضنها وكان عبد الله منهمكا في رسمته يضفي عليها اللمسات الأخيرة، وطفله محمد بجانبه يناغي ويتحرك ويرفس برجليه الهواء، قالت برضا:
- ما أجملك يا زوجي العزيز! لم يزعجك أحد صحيح؟
قال وهو منهمك في رسمته وعادت ابنته الصغرى لتجلس بجواره:
- آه سوف تخربين الرسمة يا ابنتي!
ثم التفت إليها وهو يقول مشيرا إلى ابنه:
- المتهم محمد عبد الله قام بفعل فعلته ذات الرائحة الكريهة وقمت بالتبديل له، وكنت على وشك أن أتحول إلى مرضعته لولا وصولكِ.
رمت رنيم ابتسامة باهتة وذهبت لغرفتها لتخلع عباءتها، ثم خرجت وجلست بجانب زوجها ترضع صغيرها وتتنهد، قال عبد الله:
- خيرا اللهم اجعله خير؟ ما الأمر؟
أعطى بناته الرسمة ليقمن بتلوينها في غرفتهن، ثم بدأت تروي له الحكاية.
...............
عندما جاء وقت النوم كانت عبير تستعد لتنام، وبعد أن استعد فادي وارتدى منامته، أخذ طراحة من خزنة خاصة، ثم حمل وسادته وهم بالخروج، هتفت عبير:
- ما هذا الذي تفعله؟ إلى أين أنت ذاهب؟
توقف فادي والتفت يقول من دون أن يدير لها ظهره:
- هل نسيت أنني طلقتك؟ هل أنعش ذاكرتك بواحدة أخرى؟
وقفت والرعب في ملامحها، ثم توجهت إليه وأمسكت ذراعه تقول بصوت متوسل باكٍ:
- لا يا فادي، أنت تعلم أنني أكره النوم وحدي! لقد كنت أنام وحدي كثيرا في الآونة الأخيرة بسبب غيابك المتكرر، كيف لك أن تتركني وحيدة وأنت موجود؟!
لمعت عيناه بالدموع لكنه قال بصلابة:
- أنا لست موجودا بالفعل! لقد رحلتُ عنكِ منذ وقت طويل.
هم بالمغادرة فتشبثت به:
- أرجوك! ما الذي يرضيك؟ أخبرني! هاه؟ سوف أفعل ما تريده، لن أذكر اسمها مجددا، ولن أشك، ولن أتهمك! سوف أصمت، أنت أغلى ما أملك! لا أريد أن ترحل وتتركني وحيدة!
التفت إليها أخيرا، رأى دموعا تتسلل خارج عينيها، لكن الحرقة كانت في عينيه، زاد تشبثها:
- أرجوك يا فادي، أعطيك عهد الله ألا أفعل شيئا يغضبك! لن أفتعل المشاكل ولن أتحدث، وحتى الإنجاب لن أذكر سيرته.
آلمته العبارة الأخيرة كثيرا، لكنه نظر إليها بوجه خال من التعبير، اقترب منها، وربت على كتفيها برقة تحركُ الأمل فيها، ابتسم ثم كشر فجأة وأدارها نحو السرير، ثم دفعها قائلا:
- اخلدي للنوم، أمامك مشوار طويل لتستوعبي وضعكِ الجديد.
التفتت إليه بصدمة وهو يواصل طريقه خارج غرفتهما، قالت لنفسها متسائلة:
- ما هذا؟ ما الذي حدث للتو؟ هل تركني ورحل بعدما رجوته؟!!
ضحكة ضحكة عصبية ساخطة، ثم زفرت مرارا، وذرعت الغرفة جيئة وذهابا لوقت طويل قبل أن يأخذ اليأس بيدها وترتمي على سريرها باكية حزينة...
..................

تعليقات
إرسال تعليق