المشاركات

رسالة إلى ذاكرتي- نص سردي.. بقلم الكاتبة/شرين شوقي عامر

صورة
إليكِ أكتب، وأنتِ أكثر ما أخشاه… وأكثر ما كنتُ أطمئن إليه. كنتِ بيتي الخفي، المكان الذي أعود إليه كلما ضاق العالم، أرتّب داخلكِ وجوه أحبتي، وأعلّق على جدرانك ضحكاتٍ لا تخفت، وأخبّئ في زواياك لحظاتٍ لا تُقدَّر بثمن. كنتِ تحفظينني مني، تدلّينني عليّ كلما تاهت خطاي. واليوم… أقف على حافة الغياب، أمدّ يدي إليكِ فلا أجد سوى فراغٍ بارد، كأنكِ انسحبتِ بهدوء وتركتِ خلفك أبوابًا موصدة. أخاف أن يمرّ يوم أستيقظ فيه فلا أجدكِ في انتظاري، أبحث عن اسمي بين الحروف فلا يستجيب، وأحاول أن أستعيد ملامحي فلا تعترف بي. أيُّ قسوةٍ تلك أن يصبح الإنسان غريبًا عن نفسه؟ أن يحمل وجهه ويجهل حكايته؟ يا ذاكرتي… فيكِ وُلد أولادي، كبروا، تعلموا المشي والكلام، وفيكِ حفظتُ كل تفصيلة، كل ضحكةٍ خرجت من قلوبهم، كل دمعةٍ خبأتها عنهم كي لا يروا ضعفي. كنتِ أنتِ الشاهد، كنتِ الدفتر الذي لم يسقط منه حرف، كنتِ الحضن الذي جمع كل ما مرّ بي من فرحٍ وانكسار. أخاف أن أقف يومًا أمامهم وأراهم كأنهم عابرون في طريقي، وجوهٌ مألوفة بلا معنى، عيونٌ تناديني وأعجز عن الإجابة. أخاف أن تمتدّ أيديهم نحوي محملةً بكل ما كان بيننا، وأظلّ أنا فارغة ...

نهاية النهاية - سرد نثري.. بقلم/ طارق غريب

صورة
عندما تصبح الديمقراطية أجمل كوابيسنا لطالما كنا نخاف من الديكتاتورية التي تأتي بالدبابة والقمع والسجن والمنفى . تعلّمنا أن نراقب الرجل الواحد، والحزب الواحد، والجيش الواحد، والأيديولوجيا الواحدة . لكننا لم نكن مستعدين للديكتاتورية التي تأتي بالتصفيق، بالإجماع، بالابتسامة، بالنسبة ٩٧.٩٪ التي تظهر على الشاشة في أقل من ثلاثين ثانية . في عام ٢٠٢٥، لم تمت الديمقراطية الليبرالية بضربة واحدة ماتت بالإرهاق، بالملل، باليأس من نفسها . الشعوب لم تعد تريد " حقوقاً " تُمارس مرة كل أربع أو خمس سنوات، ثم تتركها وحيدة تواجه التضخم والقلق والوحدة والمعنى المفقود . الشعوب أرادت شيئاً أقرب، أسرع، أدفأ : أرادت أن تحكم نفسها بنفسها ، كل لحظة ، كل يوم ، حتى لو كان الثمن هو أن تتخلى عن " النفس " نفسها . لهذا السبب ولدت " الديمقراطية الشعبية الكاملة العملية " ليس اسمها الرسمي في كل مكان ، لكنها هي نفسها في كل مكان : في بكين تُسمّى " الديمقراطية ذات الخصائص الصينية " في واشنطن تُسمّى " الديمقراطية ٢ " في موسكو " فوليا نارودا " في باريس " الإرا...

العائد إلى دمشق - شعر النثر..بقلم/ أحمد عوض

صورة
(1) المنفى يا شامُ… كم مرَّ من ليلٍ فوق أكتافي، وأنا أعدُّ المنافي كما يَعُدّ الجرحُ أنفاسَهُ، وأستدلُّ عليكِ بنجمةٍ سقطتْ في الشمال. كانت المطاراتُ وجهي، والمدنُ التي لا تُشبهني مرآتي. كنتُ أُطفئُ الحنينَ بالمطر، ثم أشعلهُ كلّما ناداني ترابٌ لا أعرفُ اسمه، لكنني أعرفُ أنّه أنتِ. يا أمَّ الضوء، يا لُغتي التي تلعثمتْ حين غبتِ، كم من عامٍ ذابَ في صقيعٍ لا يذوب، وكم من صباحٍ أضاءَ ولم يُدفئ قلبي! كأنّ الغربةَ ظلٌّ أطولُ منّي، يردُّني، كلما حاولتُ أن أنساكِ، إلى بدايتي فيكِ. # **(2)** # **الذاكرة** # أُغمضُ عيني، فتنفتحُ الأبوابُ على الحارةِ الأولى: زيتٌ على الجدران، وأطفالٌ يركضون نحو رائحةِ الخبز. أسمعُ صوتَ أمّي تناديني من شرفةٍ لا تزالُ مضاءةً بالانتظار، وأرى جاري يسكبُ في فنجانه أمانَ الجيران وحكاياتِ المساء. الذاكرةُ عندي ليست صورًا، بل أصواتٌ… ونورٌ ينسكبُ من نوافذِ الجامعِ الأموي، وصدى تكبيرٍ يتسللُ من بين مآذنِ الصباح. في سوقِ الحميدية العطرُ يُعلِّمُ المارّةَ معنى التاريخ، وفي قصرِ العظم تتجوهرُ الحكايةُ بالحنين. بيتُ عنبرَ ما زالَ يُرتِّبُ القصصَ على الرفوف، والشارعُ ا...

القطار الذي لم يصل بعد - قصة قصيرة..بقلم/ حسين عبدالله جمعه

صورة
القطار الذي لم يصل بعد "من دفتر الأيام " لم تكن تعرف أن عمرها هشّ، وأن سنواتها الثمانية عشر قابلة للكسر، تمامًا كزجاج نافذةٍ أصابها حجر صدفة. كانت تمشي في أرض اللجوء خفيفةً كظل، تُخفي ألمها كما يُخفي الفقراء دموعهم: بصمت، كي لا تُربك العالم الذي يبدو دائمًا مشغولًا عنهم. إسراء لم تكن تبحث عن بطولة… كانت فقط تريد حياةً عاديّة، بيتًا دافئًا، وسماءً تشبه سماء الوطن الذي تركته خلفها ممزقًا بين خرائط وجيوش وشعارات لا تشبه الناس. كانت حاملًا في شهرها الثامن، تُقاوم الصداع والتعب ووعود الأطباء التي تُشبه الكلمات المستعملة، باردة، جاهزة، خالية من الروح: "أنتِ بخير… لا يوجد ما يدعو للقلق." لكن لا أحد كان قادرًا على رؤية ما حملته الحرب في جسدها: ذلك الخوف الطويل، والرحيل المتكرر، والحياة المعلقة في معسكراتٍ لا تُشبه الحياة. سقطت إسراء قبل أن تصل إلى النهاية التي حلمت بها. وفي لحظةٍ واحدة، تحوّل الانتظار إلى موت، والموت إلى ولادة، والولادة إلى مسؤولية لا تُحتمل. خرج الطبيب من غرفة العمليات، يحاول ارتداء ملامح الحكمة: "رحمها الله… حاولنا كثيرًا. لكن الطفل بخير. يحتاج فقط إ...

التاريخ ومحنة النسيان -مقالة .. بقلم/ نعمه العبادي

صورة
ما الذي نخافه أكثر: أن تتورّم ذاكرتنا بكل ما حدث حتى تعجز عن حملنا، أم أن نستيقظ ذات يوم فلا يبقى من العمر سوى عناوين باهتة وصور مقطوعة الأطراف؟ بين فائض التذكّر وفراغ النسيان تتأرجح علاقتنا بالتاريخ، لا بوصفه ما كُتِب في الكتب وحدها، بل بوصفه كل ما يُعامَل على أنه تاريخ: ما ترويه الدول في مناهجها، وما تتناقله الأمهات في المطابخ، وما تستقرّ عليه المخيلة الجماعية من حكايات وأبطال وضحايا، وما تحتفظ به النفس في ألبومها الخاص من جراح ولحظات حب وانكسار. في هذا الأفق الواسع لا يأتي النسيان كطارئ على التاريخ، بل كقوة صامتة تشارك في كتابته؛ فالتاريخ ليس فقط ما نتذكّره، بل أيضاً ما نسمح لأنفسنا أن ننساه، وما يُجبَر على الغياب دون أن يُعلن موته. في أعماق الذات يعمل النسيان كـ (محرِّر نصوص) داخل جينالوجيا الوعي؛ نحن لا نحمل حياتنا كأرشيف كامل، بل كسيرة ذاتية تُكتَب وتُراجَع في كل مرة نرويها، فهناك دائماً مقص خفي يمرّ على شريط العمر: يختصر المشاهد، يخفّف بعض الألوان، ويقصّ لقطات بعينها حتى لا تنهار حكاية "من نكون" . ما نسمّيه "أنا" ليس حصيلة ما تذكّرناه فحسب، بل أيضاً نتيجة ما...

ذات ليلة - قصيدة النثر.. بقلم أ/ نادية الصاوي

صورة
ذات ليلة.. وأنا أُعد وجهي لاِستقبال الأحلام لم أرغب بنفسي لا لأني محمومة؛ بل كي ألدني من رحم الألم، من صراخي من رعشتي حين قلت: يا أنا! كلما ارتفعت الحمى، زاد غليان الذكرى والحنين.. وحينها عثرت على وجه لي لا يحبك. قبل أن تأتي أي قبل وجع الكون كنت نهرًا ينزف بلا توقف جنية الحياة، كابوس يمشي كجثةٍ تئن تحت أقدام العصافير لا أسمع سوى صدى الماء! كنت أخبئ أحلامًا ترفض الموت كأنني قبوٌ يحفظ جثث الخيبات وحشٌ يبتلع الأمنيات.. كنت أبكي بلا جفون أبكي حممٌ تحرق الرفات أبكي ولا أحد يسمع صرختي في هذا البحر من الألم والخراب. غسلت حلمي مع وجبةِ الغسيل السوداء فتلوّنَ ليلي بالأرق! يركلُ نعاس السكينة و يوقِظُ المشقة؛ ليلهو بالغميضة قبل أن يُبصَم على جبينه بمفتاحٍ صدئ! أمّي أعطتني رداء جدّتي وقالت لا تركضي؛ فالأنوثةُ لا تُعجَل! لكنني ركضت بخطوات تخلع جلد الطاعة نعلًا بعد نعل ๘

مجتمع ما بعد الحرب- مقال اجتماعي (مبحث1) .. للباحث/ نعمه العبادي

صورة
(أفكار من عالم آخر) ليس العالم الآخر في هذه السلسلة كوناً جديداً، بل هو عالمنا الذي لا نراه لشدة قربه من عيوننا.. (١) مجتمع ما بعد الحرب (الحلقة الأولى) مجتمع ما بعد الحرب.. هبة الموت نعمه العبادي كم هو غريب ذلك العالم الذي يولد بين الرماد، حيث تصبح الكلمات البسيطة صرخات للوجود: "كدت أموت"، "نجوت بأعجوبة"، "كان الموت قريباً". هنا، في قلب كل من خرج من الحرب، ينبض سؤال خفي: كيف للحياة أن تستمر بعد أن اقترب الموت؟ وكأن الموت، بسلبه للحياة، صار يمنحها معنى هشاً ومتوتراً، حياة مرهفة تتأرجح بين الخوف والدهشة، مشحونة بالذاكرة والفراغ، والحنين إلى براءة اختفت مع دخان المعارك، وإلى حياة لم تتحقق بعد. في هذا العالم، لا تقف الحرب عند خطوط النار، ولا تنتهي بانقضاء السنوات، إنها تترك آثارها في كل نفس، في كل فكرة، في كل قرار أخلاقي، لتشكل نسيجاً معقداً من الألم والنجاة، يشمل المعتدي والمعتدى عليه، القاتل والمقتول، من فرضت الحرب عليهم ومن فرضوها، وكل فرد بحسب ما تمنحه الحرب وما تأخذه منه. هنا يتحول الوجع الفردي إلى ذاكرة مشتركة، ويصبح الموت حضوراً دائماً في كل حديث، وكل...