رسالة إلى ذاكرتي- نص سردي.. بقلم الكاتبة/شرين شوقي عامر
إليكِ أكتب، وأنتِ أكثر ما أخشاه… وأكثر ما كنتُ أطمئن إليه.
كنتِ بيتي الخفي، المكان الذي أعود إليه كلما ضاق العالم، أرتّب داخلكِ وجوه أحبتي، وأعلّق على جدرانك ضحكاتٍ لا تخفت، وأخبّئ في زواياك لحظاتٍ لا تُقدَّر بثمن.
كنتِ تحفظينني مني، تدلّينني عليّ كلما تاهت خطاي.
واليوم…
أقف على حافة الغياب، أمدّ يدي إليكِ فلا أجد سوى فراغٍ بارد، كأنكِ انسحبتِ بهدوء وتركتِ خلفك أبوابًا موصدة.
أخاف أن يمرّ يوم أستيقظ فيه فلا أجدكِ في انتظاري، أبحث عن اسمي بين الحروف فلا يستجيب، وأحاول أن أستعيد ملامحي فلا تعترف بي.
أيُّ قسوةٍ تلك أن يصبح الإنسان غريبًا عن نفسه؟
أن يحمل وجهه ويجهل حكايته؟
يا ذاكرتي…
فيكِ وُلد أولادي، كبروا، تعلموا المشي والكلام، وفيكِ حفظتُ كل تفصيلة، كل ضحكةٍ خرجت من قلوبهم، كل دمعةٍ خبأتها عنهم كي لا يروا ضعفي.
كنتِ أنتِ الشاهد، كنتِ الدفتر الذي لم يسقط منه حرف، كنتِ الحضن الذي جمع كل ما مرّ بي من فرحٍ وانكسار.
أخاف أن أقف يومًا أمامهم وأراهم كأنهم عابرون في طريقي،
وجوهٌ مألوفة بلا معنى، عيونٌ تناديني وأعجز عن الإجابة.
أخاف أن تمتدّ أيديهم نحوي محملةً بكل ما كان بيننا، وأظلّ أنا فارغة الكفّين، لا أملك سوى نظرةٍ حائرة.
وأحفادي…
يا امتداد النبض في زمنٍ ظننت أن كل شيءٍ اكتمل، يا هدية العمر المتأخرة التي جاءت تحمل بهجة البداية،
كنتِ تحفظين ضحكاتهم في داخلي كأنها نبعٌ لا ينضب، توقظ فيّ حياةً جديدة.
كيف يكون الحال إن مرّوا أمامي دون أن يهتز في داخلي شيء؟
إن نادوني فلم يعرف صوتي طريق الرد؟
أيُّ فراغٍ هذا الذي يسرق من القلب تاريخه، ويمحو من الروح ملامحها؟
يا ذاكرتي…
كنتِ لستِ مجرد خزانٍ للأيام، كنتِ المعنى، كنتِ الخيط الذي يجمعني بكل ما أحب، كنتِ الدليل حين تتشابه الطرق.
الآن…
كل شيء يبدو مبعثرًا، كأن الحكايات انفرطت وتناثرت في زمنٍ بعيد، وأنا أقف في المنتصف أحاول أن ألتقط منها شيئًا
يقول إنني عشت.
أجلس طويلًا أغمض عينيّ أبحث عن أثر، عن دفءٍ قديم،
عن لحظةٍ صغيرة تنجو من هذا التلاشي.
وفي عمق الصمت يتحرّك شيءٌ خافت، إحساسٌ بلا اسم،
نبضٌ لا يحمل صورة، غير أنه يمدّني بسكينةٍ غريبة، كأن هناك ما لم يُفقد بالكامل.
أفهم عندها أنكِ قد تبتعدين، قد تخفتين، قد تتوارين خلف ستارٍ كثيف، غير أن ما زرعته في القلب يبقى.
الحبّ الذي مرّ من هنا لا يغادر، يغيّر شكله، يختبئ، يتحوّل إلى إحساسٍ صامت، إلى ابتسامةٍ تولد بلا سبب، إلى نظرةٍ تحمل معنى لا يُقال.
ربما يأتي يوم أقف فيه أمامهم ولا أعرف أسماءهم، غير أن قلبي يرتجف لهم دون تفسير، تشرق على وجهي ملامح دفء
لا أفهمه، ويصل إليهم ما عجزت عنه ذاكرتي.
وهنا…
أدرك أن النهاية لم تكتمل، أن شيئًا ما ظلّ صامدًا في وجه الغياب.
يا ذاكرتي…
إن ابتعدتِ، اتركي لي هذا الأثر، هذا النور الصغير الذي يدلّ عليّ، اتركي لي قلبًا يعرفهم حتى حين أعجز عن معرفتهم.
اتركي لي شعورًا واحدًا صادقًا، يكفيني لأظلّ أنا…
حتى إن ضاعت مني كل الطرق

تعليقات
إرسال تعليق