التاريخ ومحنة النسيان -مقالة .. بقلم/ نعمه العبادي


ما الذي نخافه أكثر: أن تتورّم ذاكرتنا بكل ما حدث حتى تعجز عن حملنا، أم أن نستيقظ ذات يوم فلا يبقى من العمر سوى عناوين باهتة وصور مقطوعة الأطراف؟

بين فائض التذكّر وفراغ النسيان تتأرجح علاقتنا بالتاريخ، لا بوصفه ما كُتِب في الكتب وحدها، بل بوصفه كل ما يُعامَل على أنه تاريخ: ما ترويه الدول في مناهجها، وما تتناقله الأمهات في المطابخ، وما تستقرّ عليه المخيلة الجماعية من حكايات وأبطال وضحايا، وما تحتفظ به النفس في ألبومها الخاص من جراح ولحظات حب وانكسار.

في هذا الأفق الواسع لا يأتي النسيان كطارئ على التاريخ، بل كقوة صامتة تشارك في كتابته؛ فالتاريخ ليس فقط ما نتذكّره، بل أيضاً ما نسمح لأنفسنا أن ننساه، وما يُجبَر على الغياب دون أن يُعلن موته.

في أعماق الذات يعمل النسيان كـ (محرِّر نصوص) داخل جينالوجيا الوعي؛ نحن لا نحمل حياتنا كأرشيف كامل، بل كسيرة ذاتية تُكتَب وتُراجَع في كل مرة نرويها، فهناك دائماً مقص خفي يمرّ على شريط العمر: يختصر المشاهد، يخفّف بعض الألوان، ويقصّ لقطات بعينها حتى لا تنهار حكاية "من نكون" .

ما نسمّيه "أنا" ليس حصيلة ما تذكّرناه فحسب، بل أيضاً نتيجة ما تجاهلناه، ما دفنّاه تحت طبقات من الصمت، ما أعدنا تأويله كي يمكننا أن نستمر في النظر إلى المرآة دون أن نتفتّت، وأحيانًا لا يكون النسيان فقداناً بسيطاً، بل نوعاً من المونتاج الأخلاقي والعاطفي: نحذف لقطة خذلنا فيها من نحب، ونُبطِل صوت لحظة جبن فادح، ونرفع من مستوى الإضاءة على موقف شجاع أو كريم كي يغطّي ما عداه.

حتى الحبّ، الذي يبدو في ظاهره احتفالًا بالذاكرة، يقوم في عمقه على نوع دقيق من النسيان، فلا يمكن لعلاقة أن تبقى حيّة إذا تحوّلت إلى دفتر محاسبة مفتوح يُستحضَر فيه كل خطأ وكل نبرة وكل جملة قيلت في لحظة غضب.

ثمة نسيان رحيم، يُسقِط الزلات الصغيرة، يترك للآخر حقّ أن يكون ناقصاً دون أن يُسجَّل هذا النقص في الأرشيف الأبدي للعلاقة، لكن ما إن يتجاوز النسيان هذا الحدّ حتى ينقلب على صاحبه؛ إذ يتحوّل أحياناً إلى نسيانٍ للذات لا نسيانٍ لزلة الآخر، إلى دفن للإهانات العميقة تحت اسم (التجاوز) بينما هي تتحوّل في الداخل إلى تآكل صامت.

يبقى السؤال معلّقاً بين القلب والضمير: ماذا أحتاج أن أنساه كي يبقى الحبّ ممكنًا، وماذا يجب أن أتذكّره كي لا أفقد نفسي وأنا أحافظ عليك؟

على المستوى الأخلاقي، تبدو محنة النسيان أكثر حدّة، فالاستقامة تحتاج إلى ذاكرة حيّة: أن أتذكّر أخطائي كي لا أكررها، وأن أتذكّر هشاشتي كي لا أصعد إلى منبر التعالي على الآخرين. لكن التذكّر إذا تحوّل إلى استحضار لا يهدأ لكل هزيمة أخلاقية مررت بها، يصبح نوعاً من جلد الذات لا مراجعة لها؛ تتحوّل الذاكرة إلى محكمة لا تصدر أحكاماً تُصلِح، بل تُبقي المتَّهَم في زنزانة واحدة إلى الأبد.

في الجهة المقابلة يقف نسيان آخر، أكثر خطورة: أن أنسى دوري في جراح الآخرين، وأن أعيد كتابة الماضي بحيث أخرج منه بريئاً دائماً؛ أحمّل الظروف، البيئة، (الناس) ، كل شيء إلا نفسي.

هنا لا يعود النسيان عجزاً في الذاكرة، بل مشروع تزوير بطيء لسجلات الذات، وبين ذاكرة تُبقي الإنسان إنساناً، ونسيان يمنحه الحدّ الأدنى من القدرة على البدء من جديد، تتشكّل أخلاقيتنا العميقة، تلك التي لا تُقال في الخطب بل تُمارَس في صمت.

الألم المعنوي بدوره يفضح وجهاً آخر لهذه المحنة، فهناك جراح لا تُرى في صور الأشعة ولا في تقارير الأطباء: إهانة أكلت من كرامة صاحبها، خيانة ضربت معنى ثقته، خسارة قلبت العالم إلى مكان غريب، فصاحب هذا الألم ممزّق بين حاجته إلى أن يتذكّر كي لا يُستخفّ بما جرى له، وكي لا يُعاد إنتاج الجرح على جسد آخر، وبين حاجته إلى أن ينسى كي لا يبقى معلقاً إلى الأبد عند لحظة واحدة من الزمن. كثيراً ما لا يأتي النسيان هنا بصيغة إغلاق كامل للملف، بل يحذف تفاصيل، يبهت وجوهاً، يترك جملة غامضة مكان قصة كاملة، إذ تتبخّر الوقائع وتبقى الحالة: مرارة بلا سبب واضح، خوف من شيء لا اسم له، نفور من موقف لا يفهم صاحبه لماذا يختنق فيه. إنه (ألم بلا حكاية) ؛ جرح نسي الوعي نصّه الأصلي وبقي الصوت يرنّ وحده.

وما يحدث في الذات، يحدث على نحو آخر في التاريخ العام، فالمجتمعات أيضاً تعيد كتابة سيرتها، وتحتاج إلى نسيان كي لا تموت تحت ثقل ما جرى، لكنها في الوقت نفسه تخاطر بأن يتحوّل هذا النسيان إلى محو متعمَّد.

ثمة فارق جوهري بين النسيان والمحو: الأول حركة بطيئة في الداخل، تحكمها قوانين النفس والجسد، أما الثاني فهو فعل سلطوي، مؤسساتي، يقرّر أيّ تواريخ تُدفَن في الأرشيف المغلق وأيّها تُرفع إلى المنصات، فحين يُقال لشعب عانى مجازر وحروباً وتعذيباً: "لنطوِ الصفحة وننظر إلى الأمام" ، يكون السؤال الحقيقي: من المستفيد من طيّ الصفحة؟ الضحية التي تحتاج إلى أن تلتقط أنفاسها، أم الجلّاد الذي يريد أن يخرج من التاريخ بوجه نظيف؟

تزداد قسوة المحنة حين ندرك أن النسيان ليس متساوياً، فهناك آلام يُسمَح لها أن تُنسى لأن أصحابها بلا صوت، وأخرى يُفرَض تذكّرها إلى الأبد لأن وراءها سلطة تريد تخليدها. بعض الدماء تُحوَّل إلى أعياد قومية ومسيرات وخطب، وبعضها يجفّ على الأرض دون أن يدخل في أي كتاب، وفي قلب هذا التفاوت تُصنَع الأساطير: تُرفَع أحداث معيّنة إلى مقام "الحقيقة المقدسة" ، لكنها في الطريق تفقد تعقيدها؛ تختزل في شعار، في قصة ذات بطل واحد وضحية واحدة وشرير واحد، فتبدو هذه الأساطير وكأنها انتصار للتذكّر، لكنها غالباً شكل من أشكال النسيان المقنَّع؛ نسيان للتفاصيل، للضحايا الصغار، للتناقضات، للخطأ الذي ارتكبه "الأبطال" أنفسهم، فما يتجمّد في قالب الأسطورة ينجو من الغياب، لكنه يموت من فقدان المعنى.

ومن المفارقات أن تخمة الذاكرة قد تقود إلى نسيان لا يقل فداحة عن الفقر فيها، فحين تُستحضَر الحروب والهزائم والانتصارات في كل خطاب، وتُكرَّر الشعارات والطقوس والصور حتى التخمّر، يتحوّل الماضي إلى ضوضاء ثابتة في الخلفية؛ إلى موسيقى تصويرية لا نصغي إليها حقّاً.

ما يُكرَّر بلا تفكّر يفقد حدّته، وما يفقد حدّته يقترب من شفير النسيان وإن بدا حاضراً على الشاشات والجداريات، فقد يصبح شعار "لا ننسى" – إذا تحوّل إلى ترديد آلي – أحد الطرق الأكثر فاعلية لكي ننسى بالفعل، لأنّه يحوّل الذاكرة إلى عادة لا إلى فعل واعٍ.

في ظل هذا الصراع بين التذكّر والنسيان على مستوى الجماعة تُهمَّش التواريخ الصغيرة: حيوات الناس العاديين، تفاصيل يومهم، قلقهم من الغد، أيام الجوع والخوف والانتظار الطويل أمام أبواب المستشفيات والدوائر والثكنات. تُحفَظ أسماء القادة والمعارك والمعاهدات، بينما يبتلع النسيان أسماء الذين ماتوا (بالهامش) ، دون أن يعرفهم أحد.

محنة النسيان هنا ليست في ضياع الوقائع السياسية وحدها، بل في ضياع الإحساس بأن الحياة اليومية نفسها تستحق أن تُسجَّل؛ أن لمرارة الخبز وعرق العمل ودمعة الأم قيمة تاريخية لا تقل عن توقيع الاتفاقيات. ومع انشداد الوعي إلى الماضي – دفاعاً عنه أو هرباً منه – نفقد شيئاً فشيئاً القدرة على تخيّل المستقبل؛ نتحول إلى كائنات ممزّقة بين ذكرى ثقيلة ونسيان مشوَّه، ننسى شيئاً ثالثاً أكثر خطورة: إمكان أن يكون الغد مختلفًا عمّا كان.

في جانب آخر من المشهد يقف الجلّاد، الفرد والمؤسسة، محتاجاً هو الآخر إلى النسيان، فكي يتمكن قاتلٌ من أن يعيش مع نفسه، يحتاج إلى أن يعيد كتابة سيرته الخاصة: يخفّف مسؤوليته الشخصية، يحمّل الأوامر العليا والظروف الاستثنائية عبء ما فعلته يداه، يبدّل الأسماء: التعذيب "استجواب" ، والتهجير "إعادة انتشار" ، والنهب "تصحيح أوضاع"، تساعده منظومات كاملة في هذا: إعلام يلمّع، قوانين تعفو، مناهج تُبيِّض الفصول الأكثر ظلمة.

هنا لا يكون النسيان رحمة عصبية، بل آلية دفاع أخلاقية مقلوبة؛ حماية لجلد الجاني لا لروح المجتمع.

ومع كل ذلك، يبقى النسيان – بكل تناقضاته – شرطاً من شروط النجاة، فلو احتفظ الإنسان بكل ما مرّ به من وجوه وأصوات وجنازات وخيبات بنفس درجة الحضور، لانهار تحت وزن ذاكرة لا تعرف الصمت، ولو لم يبهت شيء من رائحة غرف المستشفيات، ومن لون تراب المقابر، ومن صدى الكلمات التي طعنته، لما استطاع أن يضحك ضحكة واحدة دون شعور بالخيانة.

النسيان هنا ليس خيانة، بل استراحة محارب جُرِح أكثر مما يحتمل، غير أن هذه الاستراحة نفسها تحمل خطراً خفيّاً: حين يهدأ الألم تمامًا قد نفقد معه الحكمة التي جلبها، وقد يجد المجتمع نفسه بعد سنوات يعيد إنتاج الظروف ذاتها التي قال يومًا إنه لن يسمح بتكرارها.

لعلّ أعمق ما في محنة النسيان أنها تمسّ علاقتنا بذواتنا في الزمن، فما ننساه وما نتذكّره يحدّد المسافة بين "أنا الآن" و"أنا التي كنت"، من دون قدر من النسيان لن نشعر أننا تغيّرنا حقّاً؛ سنظلّ سجناء نسخة واحدة، خطأ واحد، قرار واحد، كأن الزمن لم يتحرك، ومن دون قدر من التذكّر لن يكون لهذا التغيّر أي معنى؛ سنتحوّل إلى كائن بلا جذور، بلا سلسلة يمكن أن يربط فيها أسباب ما هو عليه اليوم بما مرّ به البارحة.

بين هذا وذاك يبرز حق الداخل في أن يمنح نفسه عفواً عن نسخة قديمة منه دون أن يمحوها من السجل، وحقّ الضحية في أن تخفّ وطأة ما جرى لها دون أن يُطلَب منها أن "تتصرّف كأن شيئًا لم يكن" .

التاريخ في النهاية ليس صراعاً بين ذاكرة ونسيان فحسب، بل حقلًا يتداخل فيه عملهما في كل لحظة: في طريقة كتابة الكتب، وفي شكل الطقوس، وفي القصص التي نحكيها لأطفالنا عن البلاد، وفي الحكاية الصامتة التي نحكيها لأنفسنا عن حياتنا.

محنة النسيان ليست أن ننسى أو لا ننسى، بل أن نعي الثمن الذي ندفعه في الحالتين: ماذا نخسر إن تذكّرنا كل شيء، وماذا نخسر إن تركنا الأشياء تنزلق في صمت إلى قاع لا قاع له؟ ربما لا نملك أن نتحكّم في حركة الذاكرة والنسيان تماماً، لكننا نملك أن نسأل، ونحن نعيد ترتيب ما مضى داخلنا وخارجنا: أيّ تاريخ أريد أن يبقى كي لا أكرّر المأساة، وأيّ جرح يحقّ له أن ينام أخيراً كي أستطيع أن أكون حيّاً؟

هنا، في هذا السؤال المتوتّر، تتجلّى أعمق صور العلاقة بين التاريخ ومحنة النسيان.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خيانة بيضاء _ شعر النثر ..للكاتبة/ مجيدة محمدي

نهاية النهاية - سرد نثري.. بقلم/ طارق غريب

ذات ليلة - قصيدة النثر.. بقلم أ/ نادية الصاوي