أنا اليوم قررتُ أن أخونَ ذاكرتي، أن أنسلَّ من جلدِ الحنينِ كأفعى عجوز، تعبت من لسعِ نتوءات الأحراش، ومن نُدوبِ الوقتِ على جسدِ الغيمة ، الهاربة . أنا اليوم، أودعتُ مفاتيحي القديمة في صدرِ صندوقٍ خشبيٍّ تفوحُ منه رائحةُ النسيان المُمَلَّح ، وقلتُ ، كفى! ألتحقُ بسِربِ الغزاة، أولئك المتمترسين على حافّةِ الفعل، يَسِنّونَ رغبتهم كالسيوف، يُطلّون من شقوقِ المعنى ويزرعون في العواصفِ نشيد الماء ، لم أعد أرغبُ أن أُطعمَ ذاكرتي من جسدي، أن أُرضعها من حليبِ الرؤى اليابسة، أن أُربّتَ على كتفِ الأمس كلّما انطفأ الحاضرُ من حولي. أنا اليوم، كغصنِ زيتونٍ نبتَ في منفى، لا يحنُّ للجذور، ولا يطمئنُّ إلى الغصون. تركتُ حكاياتي تمشي حافيةً فوقَ شوكِ التأويل، وانحنيتُ للريح، كي أُخفي ملامحي عن القصائد التي ما عادت تعرفني. الغزاةُ، هنا ، عند تخومِ الإرادة، يرفعونَ الراياتٍ ينشدونَ صوتا له شفاهُ البرق، ويرقصونَ فوقَ جثثِ الحلم القديم. وأنا، بلا ذاكرةٍ، بلا بكاءٍ، بلا قصيدةٍ تذكرني ، خنتُ ذاكرتي... لأبحث عن نافذةٍ لا تطلُّ على جرحٍ ولا تُغلقُ على قيد.
عندما تصبح الديمقراطية أجمل كوابيسنا لطالما كنا نخاف من الديكتاتورية التي تأتي بالدبابة والقمع والسجن والمنفى . تعلّمنا أن نراقب الرجل الواحد، والحزب الواحد، والجيش الواحد، والأيديولوجيا الواحدة . لكننا لم نكن مستعدين للديكتاتورية التي تأتي بالتصفيق، بالإجماع، بالابتسامة، بالنسبة ٩٧.٩٪ التي تظهر على الشاشة في أقل من ثلاثين ثانية . في عام ٢٠٢٥، لم تمت الديمقراطية الليبرالية بضربة واحدة ماتت بالإرهاق، بالملل، باليأس من نفسها . الشعوب لم تعد تريد " حقوقاً " تُمارس مرة كل أربع أو خمس سنوات، ثم تتركها وحيدة تواجه التضخم والقلق والوحدة والمعنى المفقود . الشعوب أرادت شيئاً أقرب، أسرع، أدفأ : أرادت أن تحكم نفسها بنفسها ، كل لحظة ، كل يوم ، حتى لو كان الثمن هو أن تتخلى عن " النفس " نفسها . لهذا السبب ولدت " الديمقراطية الشعبية الكاملة العملية " ليس اسمها الرسمي في كل مكان ، لكنها هي نفسها في كل مكان : في بكين تُسمّى " الديمقراطية ذات الخصائص الصينية " في واشنطن تُسمّى " الديمقراطية ٢ " في موسكو " فوليا نارودا " في باريس " الإرا...
ذات ليلة.. وأنا أُعد وجهي لاِستقبال الأحلام لم أرغب بنفسي لا لأني محمومة؛ بل كي ألدني من رحم الألم، من صراخي من رعشتي حين قلت: يا أنا! كلما ارتفعت الحمى، زاد غليان الذكرى والحنين.. وحينها عثرت على وجه لي لا يحبك. قبل أن تأتي أي قبل وجع الكون كنت نهرًا ينزف بلا توقف جنية الحياة، كابوس يمشي كجثةٍ تئن تحت أقدام العصافير لا أسمع سوى صدى الماء! كنت أخبئ أحلامًا ترفض الموت كأنني قبوٌ يحفظ جثث الخيبات وحشٌ يبتلع الأمنيات.. كنت أبكي بلا جفون أبكي حممٌ تحرق الرفات أبكي ولا أحد يسمع صرختي في هذا البحر من الألم والخراب. غسلت حلمي مع وجبةِ الغسيل السوداء فتلوّنَ ليلي بالأرق! يركلُ نعاس السكينة و يوقِظُ المشقة؛ ليلهو بالغميضة قبل أن يُبصَم على جبينه بمفتاحٍ صدئ! أمّي أعطتني رداء جدّتي وقالت لا تركضي؛ فالأنوثةُ لا تُعجَل! لكنني ركضت بخطوات تخلع جلد الطاعة نعلًا بعد نعل ๘
تعليقات
إرسال تعليق