ليس ذنبي أنا -جزء من رواية...للكاتب/ فتحي محمد مسعود
جزء من رواية :ليس ذنبي أنا
اندهش جوني من الشوارع الترابية التي نسير فيها, والبيوت الملتصقة يسند بعضها البعض، أشكالها بدائية, وشبابيكها الصغيرة وارتفاعها البسيط, والأعمدة الكهربائية والأسلاك الشائكة تشبه خريطة مترو الأنفاق في لندن, أتعرف يا دكتور سامي؟ عندما كنتُ أدرس تاريخ ليبيا عمومًا وطبرق خصوصًا تصوَّرتُها كباقي المدن التاريخيَّة؛ أثينا أو فيينا أو فيكتوريا فينسيا أو اسطنبول، توقعت الميادين الجميلة والتماثيل الكبيرة, أتعلم كم عمر هذه المدينة؟ إنه يتجاوز الثَّلاثة آلاف سنة؛ أيْ قبلَ الميلاد منذ أن كان اسمها (مارماريكا) التي ذكرها بطليموس وانتبرقوس، كيف للمدينة الحضارية أن تكون في القرن الواحد والعشرين بهذا الشكل؟ إنها كارثة بكل المقاييس! قلتُ له: لا عليك، نأخذ قسطًا من الراحة، وفي المساء نذهب للعزاء ونتحدث على كل ما يجول في خاطرك. تغيَّر تعبير وجه (جوني)، وبدت عليه أمارات الدهشة؛ خيمة كبيرة جدًّا فوق الطَّريق العامَّة محشورة بالناس، وفي الخارج أعداد مهولة تجلس على كراسي بيضاء مصنوعة من اللدائن يتحدثون بأصوات عالية ويضحكون. وبدأ يتلفَّت وينظر للسيارات في الاتجاه الآخر كيف تتحرك ببطء مع ارتفاع أصوات أبواقها؟ وكأنها تستغيث، بدا الضَّجرُ والملل على ملامح السائقين, اقتربنا أكثر، وجلسنا نُسلِّم على المتواجدين، فقال (جوني) وهو متعب: لماذا نُسلِّم على كل هؤلاء؛ هل هم أقرباء درويش؟ جلبت كرسيًّا وقلتُ له: اجلسُ، هؤلاء أصدقاؤه وجيرانه، درويش لا أقارب له في طبرق.
لذلك يضحكون ويتحدثون بصخبٍ؛ لأن الميت لا يهمهم، هل تقصد ذلك؟
لا يا (جوني)، الأمر ليس كذلك، كل هؤلاء يواسون أهل الميت ويشاطرونهم مصابهم.
ابتسم (جوني) ابتسامةً ساخرةً، وأردف قائلا: ألا ترى أنهم مُغيَّبون عن الواقع، لا يشعرون بالوقت ولا بالغير؟ هم يتحدَّثون ويضحكون، وفي الاتجاه الآخر طوابير من السيارات تريد المرور، وهؤلاء يلهون ويمرحون, أين الحق العام للطريق؟! أليست ملكًا للجميع فلا يحق لأحد غلقها مهما كان؟ فقلت له بضجر: هل أنتَ مصلحٌ اجتماعيٌّ؟ منذ الصَّباح وأنت تطرح الأسئلة وتنتقد! نحن هكذا نحبُّ الحياة بهذا الشَّكل.
أخذتُ (جوني) وجلسنا مع مجموعةٍ أعرفهم ويعرفون درويش جيدًا؛ كي أطرح عليهم فكرةَ (جوني) بنشر قصَّة (درويش) في أرجاء العالم, رحَّب الجميع بالفكرة، وحكي كلُّ واحد لجوني وهو يدون ما يقصُّ عليه حتى سمعنا أحدهم ينادي: "أربعة أربعة". ينظر جوني إلى الخيمة مشدوهًا؛ حركة منظمة، وخلال ثوانٍ الكل يجلس على الأرض، ومن ثَمَّ دخل مجموعةٌ من الشَّباب يحملون سُفرًا في الوسط عليها وعاء به أرز أصفر اللون، والقطع الكبيرة من اللحم، وجانب الوعاء بصل وفجل وفلفل، بدأ الجميع الطعام بنهم, جلس (جوني) يأكل وينظر حوله مستغرِبًا وقال: الأرز لذيذ، هل ينتظرونني حتى أشبع لأصوِّرَ هذا المشهد المدهش؟ نظرتُ إليه نظرةً ساخرةً وقلت: لن ينتظرك أحد، إمَّا أن تصور الآن، أو يفوتك المشهد، وقف والتقط صورتين سريعًا ورجع يأكل، وبعد أن غسل يديه قال: كم سعر الوجبة للفرد الواحد؟ قلت له: هذا الطعام بالمجَّان، حملق فيَّ وقد بدت الدهشة على ملامحه: هل هؤلاء فقراء لا يستطيعون شراء الطعام؟ أومأتُ له بالنَّفي. لماذا إذًا يأكلون بالمجَّان؟ قلت: جميعهم جاء ليقدم واجب العزاء, ولماذا يأكلون؟ كان ينبغي أن يؤدوا واجب العزاء ثم ينصرفوا إلى أعمالهم على الفور, رأيت في سوريا المعزِّين يشربون قهوة سادة ثم ينصرفون, لا أبالغ يا دكتور سامي إن قلتُ لك: إن هذا الطعام يكفي مانشستر ليومين متوالين, أو يسدُّ رمق الآلاف من المتسولين
والمشرَّدين في أفريقيا وقارات العالم

تعليقات
إرسال تعليق