قراءة في ديوان اليمن الغنائي- قصيدة "ممشوق القوام" ..للأديب الشاعر الأستاذ/ ياسين السامعي

هناك متعة غامضة في تصفح ديوان الأغنية اليمنية القديمة،متعة لا تضاهيها إلا لذة قراءة مايمكن أن تصل إليه يد الباحث في مخابئ ذلك التراث الأدبي والغنائي العتيق ،

" ممشوق القوام " واحدة من تسابيح العشق الأدبي الساحر ، روحانية شعرية من روحانيات المرحوم والشاعر القاضي / علي العنسي ، علم من أعلام الفن والثقافة والأدب اليمني القديم ، وقد ترجم إحساسها كما يجب أن تكون الفنان الأقرب للروح المرحوم /
علي الآنسي ، بأسلوب فني و مشاعر تصل لأعمق نقطة في الروح ، وسر جمال هذه المقطوعة الغنائية أنها جاءت حصيلة تجربتي الشاعر والفنان العاطفيتين ،
وقد قرأت أن الفنان علي الآنسي - رحمه الله - باع أرضيتين طمعا في تسجيل وغناء هذه القصيدة وقصيدة أخرى " وقف وودع" ،
والعهدة على موقع فلسطين في حوار مع الشاعر الشعبي / عبد الجليل قعطاب ،
وهذا إن صح فهو يعكس شيئين :

- طبيعة مايواجهه الفنان اليمني من العناء والجهد لقاء نجاحه .
- مكانة القصيدة أدبيا و فنيا .

ليس سهلا الشعر عامة والحميني الغنائي خاصة مرفقا - في الوقت نفسه - بسرد صادق للمشاعر ،بحيث ينعكس ذلك جليا في بنية النص و أسلوبيته ، ولأن لذلك اللون من الشعر فحوله و عشاقه تأتي قدرات الفنان عظيمة بقدر عظمة القصيدة المغناة ،

ممشوق القوام أفدي بروحي قوامه
بَاخل بالكلام لمه بِخل في كلامه
لو ردّ السلام أحيا فؤادي سلامه
هل خاف الملام ممن يطوّل ملامه

في مطلع القصيدة الأول تظهر النزعة العاطفية للشاعر في الفكرة والأسلوب
والمستوى المعجمي ، فهو مطلع تشبيبي غزلي جاء مفتتحا باللفظ " ممشوق " وهي لفظة أكثر دلالة على الحسن والجمال ،وهي صورة اختارها الشاعر بعناية ،فقد جرت العادة أن يتغزل الناس بقوام والأنثى وطولها ،
" ممشوق القوام " الأقرب نحويا والأجمل دلالة بلاغية أن يكون منادى حذفت أداة ندائه لغرض قرب المنادى من نفس الشاعر ،

ممشوق القوام
باخل بالكلام
يبدو في المعنى أن مطلع الأبيات يوحي بالعتاب ولكن للاستعطاف سبق المدح العتاب ليكون أجدى في التأثير لدى المخاطب ،
" لو رد السلام أحيا فؤداي سلامه "
يؤكد هذا الشطر بأسلوب خبري ابتدائي
مفترضا جهل المخاطب حال الشاعر ولوعته ؛ حيث صور رد سلام المخاطب بالمطر الذي يحيي جدب الأرض وهو في الوقت نفسه تمن ضمنيا ،وذلك ما يحمله
الرجاء في الحرف " لو " ما يعكس أساه وحنينه وحرمانه ،
ثم يتساءل عن سبب القطيعة والجفاء
هل خاف الملام...؟
والسؤال يوحي باضطراب نفسية الشاعر
وصراعه الذاتي ،فهو يسأل ذاته ويجيب ،
وقد تكرر في هذا المقطع حرف " الميم "
إذ أن دلالة صوته تتواءم مع انفعالات الشاعر المعبرة عن حزنه ،
---
يا ذاك البعيد يا من كوى القلب بُعده
مُضناك الوحيد يُعاني الوجد وحده
حِيد مُضناك حِيد فيه الضنى جاز حدّه
لا يطعم منام عاشق مُحرّم منامه

يستهل الشاعر المقطع الثاني من معلقته
الروحية التي بين أيدينا بأسلوب إنشائي
طلبي أراد من خلاله بث لوعج نفسه الأسيفة
لمن لا يعلم حالتها ، واصفا إياه " بالبعيد "
وللإيحاء بحجم البعد و أثره في النفس استخدم الشاعر عدة مؤثرات صوتية و دلالية كياء البعد و اسم الإشارة " ذاك "
و لفظة البعيد و الاسم الموصول " من "
لتعكس كل هذه المبهمات والرموز عمق الهوة
بين المنادي والمنادى ،
مشبها البعد بسعير لافح لا يرحم ،
مضناك الوحيد يعاني الوجد وحده
والمضنى " المتعب الشديد الإرهاق ،
ونسبة الكلمة لكاف الخطاب للإيحاء أن المخاطب هو السبب المباشر في معاناته ،
" الوجد " الحزن الذي يسببه الحنين والحرمان والشوق ،
الوحيد / وحده تكرار يؤكد شدة الحاجة
واللوعة و هو أسلوب خبري يفيد الاستعطاف والترحم ،
حيد مضناك حيد و هي لفظة تعني " انظر " ومل إليه بنظرك وغالبا تستعمل عامية عند
أهل تهامة ،
فيه الضنى جاز حده .
وصف لأثر التعب واللوعة وقد تجاوزت حالته المرهقة حدا يطاق ،
خاتما المقطع بتصوير حالته المتعبة وقد عاف كل وسائل التلهي والراحة ،
لم يكن هذا التكرار للمفردات عبثيا ؛ إذ أن فكرة المقطع والقصيدة وحالة الشاعر عناصر تستوجب ذلك لتكون أجدى في التأثير ،
وبالنظر لأسلوبية المقطع وبنيويته نجد مثلا
اختيار الشاعر حرف الياء الموسيقي بوظيفته المدية التي تساعد الشاعر على بث مشاعره و أنفاسه الطويلة كما هي وهو حرف مناسب تماما لفكرة المقطع وعاطفته ،
ثم استخدام الجملة الفعلية أكثر لتصوير
مشهد حي فاعلي نابض بالحركة .
____

يصل الشاعر في المقطع الثالث لحالة نوعية
من الاستقرار النفسي ،ملتقطا أنفاسه ليبدأ
مشوارا من التشبيب بالمخاطب ، وكأنه يريد
بذلك أن يظهر للقارئ أن معاناته لم تكن اعتباطا ؛ فهو ضحية جمال أنثوي الطبع ،ساحر الهيئة ،نفث فيه سحرا ومضى ،

عينك خاطبت قلبي فقال ألف أهلين
جوّب حين دعت كأنّ عنده لها دين
ليت انّه سكت لكن تفيضل له الحَين
يا قلبي علام رضيت موتك على مه ،

هنا يظهر مشهد حركي حواري خيالي يعلل
وقوعه في سحر المخاطب
فالعين والقلب و هما أول أدوات وطريق
المفضية لكل شيء بدأا بشيء من الحوار
العفوي ،
لاذعا في نهاية المقطع قلبه الذي استجاب
لداعي العاطفة واصفا ذلك بالموت الذي
يذهب إليه المرء بمحض إرادته ،
وفي تشبيه ردة فعل قلبه لحظة سؤال عينيها ما يوحي بسرعة التعلق والوقوع ،

إن في معجم الشاعر ما مكنه من إبراز صدق العاطفة الفني في القصيدة عامة
والمقطع خاصة ،كالتمني المباشر والموحيات
اللفظية و الإيقاع الموسيقي الناشئ من حرفي الألف والياء المديين ،

ويستمر الشاعر في رحلة التشبيب والغزل البسيط الذي درج عليه الشعراء النبطيون
في تشكيل ملامح أغنية صادقة الإحساس ،
فتجد في المقطع الرابع ما يشبه الملحمة
العاطفية ، أبطالها مفاتن المخاطب العفوية
و مشاعره الصريعة الواقعة تحت تأثيرها السحري ،
وهنا كان للخيال وتجذر التجربة في نفس الشاعر دور بارز في إيصال الفكرة ،

فاحمرار وجنة المخاطبة جمرة في أعماقه
وقوامها حراب تنازله في معركة هو ضحيتها،
وأما مقلتاها وهي أكثر مداخل العشق فكانت حساما مصلتا شديد البأس عليه حتى الموت الانفعالي الروحي ،
وهكذا شأن جنودها الأنثوية الأخرى كانت هي الأخرى ذات بأس وأثر في روحه التي غدت منهكة مضناة متعبة ،

بالرغم من أن كل هذه الغزليات العفوية لم تتجاوز ملامح وتقاسيم الوجه إلا أن الشاعر استطاع - بصدق إحساسه - أن يجعلها فرسان معركة عاطفية كان هو الوحيد يخوضها معها ،

إن القصيدة في مجملها متينة الأسلوب قوية
البنية جياشة العاطفة خلابة الإحساس، شيقة الإيقاع والموسيقى و فيها
كل ما يمكنها من أن تصير مقطوعة غنائية
شهيرة تتناقلها الأجيال عبر الزمن دون أن تفقد شيئا من بريقها ،

وفيها من البعد الروحي والذاتي ما يجعلها
قريبة من كل إنسان يعيش تجربة مماثلة لتجربتها ، وهو جوهر قل ما تجده في معظم القصائد الذاتية ،

وكأن فيها صوتا يقول :
ليس بالضرورة أن تكون عميقا لتعكس صدقك الشعوري فكرة وتعبيرا ؛ فصدق الفكرة عاطفة لا يتعلق - أحيانا - بعمقها ، وهذا لا يفهم منه تسويغ السطحية في التعبير الأدبي ،
لأن بين البساطة والسطحية مسافة ليست
بالقليلة .




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خيانة بيضاء _ شعر النثر ..للكاتبة/ مجيدة محمدي

نهاية النهاية - سرد نثري.. بقلم/ طارق غريب

ذات ليلة - قصيدة النثر.. بقلم أ/ نادية الصاوي