عودة تنكرية - سرد نثري .. للكاتبة الأستاذة/ هبة عقلان
ها نحن نتجاوزُ الرومانسية وندعيّ أننا حداثيون تارة، وتارة ما بعد حداثيون، ولا أحد يدري في أي عصرٍ فوضويّ نحن، عصر اليوم قد يكون في عرف المنظرين يتجاوز ما بعد الحداثة نفسها، زمنٌ نسميه دومًا بالمابعد؛ لأننا لم نعد قادرين على أن نجد الاسم الحقيقيّ لزماننا، الاسم ضاع، وكل شيءٍ متعددٌ، تتدفقُ الأسماء وتتفجر الموسوعات حسب إيكو، تفجّر يحتم عليك أن تصاب بالجنون وأنت تبحث عما يجب أن تلحقه أولًا، هل تقرأ القديم أم الحديث؟ لأي كاتب يجب أن تقرأ أولا؟ هل تقرأ الأدب الرفيع أم الشعبيّ؟ حتمًا سؤال كهذا، يعد نكتةً نتناول في مثل هذا العصر الذي يجمع الأضداد ولا يلتفت لا للسواد أو البياض بل لهما معًا، ولكن في غمرة هذه الفوضى، هذا التدفق من كل الجهات، أين تجد نفسك، وما الذي يجب أن تدركه أولًا، تعرف هذا وأنت تنتقل سريعًا بين كتاب وجدته في الإنترنت صدفة، وكتاب ورقي تملكه، ومقال مهم يجب أن تقرأه حتى تفهم حدثًا ما، وقصيدة تذكرتها، أو سيرةٌ شعبية لافتة، ما الذي يجب أن تفعله في هذا العصر، سوى أن تفقد عقلك وذاكراتك وتضيع في بحر الموسوعة الذي لم يعد يسكن جلد كتاب، وفي ظل هذا الجنون، الطبيعة ساخرة، مراوغة، رغم أننا ندعي تجاوزنا للعصر الرومانسي، لكنها ما زالت كما هي، لا تحفل بالأسماء والنظريات، فاتنة، وثابتة في طوفان الفوضى العارمة، ما زالت عصيّة، لا تفصح ولا تبين، مهما قرأت، مهما تشدقت بالمصلطحات وأفرغتها، أنت جاهلٌ وأعمى أمام هذا السحر، أنت مجرد ذرة في هوائها، ومثلك مثلُ خليل جبران، ما تزال صوفيّا في أعماقك، تتسكعُ عصرًا وتغنيّ:
"هل جلستَ العصرَ مثلي بين جفنات العنب
والعناقيدُ تدلت كثريات الذهب".. مثلنا مثله، وهو الذي حاول أن يعيدَ للشاعر العربيّ عاطفته وقوته، لكنه نسيَ أن هذه الروح الصوفيّة، لا تموت مهما غلفنا كلامنا وتمنطقنا، الروح لا تشيخ، ونحن بدائيون، عاطفيون، عقلانيون، حداثيون وكل ذلك في آن، ما من شيءٍ يتغير في السطح، سوى المزيد من الإيغال في الكلام، المزيد من الإطناب، ومرةً أخرى نتساءل دومًا إن كان بقيَ شيءٌ لم يقله الأولون، كلمةً جديدة، قصيدة، كتاب، ما من شيء لم يقل، لكننا نحاول أن نخترع لغةً جديدةً من لغةٍ قديمة، وها نحن لا نتنقل من طور إلى آخر، بل من لغةٍ إلى أخرى فحسب.

تعليقات
إرسال تعليق