سلسلة براءة نجمة- رواية ..للأستاذ/ أحمد الدمشقي
(١)
كانت لا تغفو .. هكذا يطلب من النجمات الصغيرات اللاتي عمرهن مليون عام فقط
أن تتدرب على السهر الابدي وتغزل الأفق اليومي بنولها المضيء
نجمة بحواف لا تنتهي .. ازلية الروح والجسد ولكنها كانت متميزة عن اقرانها بان في وسطها الاهليلجي.. كان هناك وريد دم
ونبضة لا تسمع
في حواري الكون كانت النجمات تصطف لتلقي الضوء والتحية على الكوكب الهرم
وهي متخفية باخر الرتل تلمح نطقة زرقاء من بعيد
سألت هذه النجمة الفتية ذاك الهرم القاسي
- ما تلك يا سيدي
- قال انها اصغر حبة في الكون ولكنها اجمل ياقوتة في الكون ايضا
- هل هي اصغر مني
- بكثير يا ايتها المتحذلقة هي كمنقار رخ صغير
او نقطة في رداء مذنب عابر
فتنهدت ومشت ولكنه اوقفها
ماهذا العرق النابض في وجنتك؟
- قالت لا ادري منذ انفجاري وهو يشوه ملامحي كأني بنت ثقب اسود
ضحك الكوكب العجوز وقال لها
- لا
انت النجمة الموعودة
- قالت له كيف ذلك وموعودة بماذا
- قال هناك كل مائة مليون عام ضوئي ستخلق نجمة بنبض حسي يأتي من ذاك الكوكب الصغير الأزرق
وعليك ان تختزلي بثوب فتاة لتنزلي هناك
وترمي رمادا كونيا في بحر مخفي بين الوديان
ثم تعودي
- ولماذا انا وما نفع هذا الرماد
- هو رماد الحتف الاتي فقط نفذي ما طلبت لانه في الاقدار لا خيار لك
حزنت النجمة انها ستختزل في هيئة فتاة
وماذا يعني فتاة أصلا
وامضيت ليلتها التي لا تنتهي باكية بدموع الفضة
(٢)
لا صبح في فضاءات الكون هي ليلة معقودة في ليلة وحدها النجمة النابضة كانت
تشع نورا بنفسجيا خالصاً
هي نجمة تعاني من الحمى ومن اختلال الروح
هي نجمة ارهقها التفكير بالرحيل ..
والرحيل كلمة في غياهب الوسع هناك يعني التلاشي
ظلت متسمرة امام نجم بلوري ميت
تتأمل قوامها في حبيباته
وتصف البلور كي ترى جسدها كيف سيكون
قالت لها حارسة المجرة :
هناك في الكوكب الأزرق سيكون لك ضفيرتان
ولك الحق في اختيار لونهما
وسيكون لك خصر ونحر وعينان سوداوان
سيكون لك اسم وروح وضحكة
فخذي من ذيول الضوء الشارد فستاناً يليق بك
واستعيري من الشمس قرطاً مذهباً
واخرجي لموكب الوداع فالكل بانتظارك
وفي طريق الكواكب ... وقف الجميع بوداع النجمة الفتية ..كانت المذنبات ترش
الرز السماوي
والنيازك تتراص كدرج كي تصعد اليه لتصل الى منصة الغياب
كم هي جميلة ... قال أحد أقمار زحل
ثم ركبت مركبة الريح والنور وغابت وهي تتشكل رويداً رويداً
بهيئة انثى من سحاب
حتى وصلت إلى أفق الأرض
كان هناك ملاك يحمل روحاً في زجاجة ملونة
قال لها :
قفي واستنشقي تلك الروح الادمية
واهبطي كأنك ولدت اليوم ولكن بجسد صبية
ووصلت تلك النجمة إلى لجة ماء فيروزي
كان البحر قد علم بوصولها
فصنع لها من موجتين قارباً
حملها إلى أول حبة رمل ستدوسها قدماها
أرض الناس الشاردين
(٣)
لماذا أنا في قلب الضوء وقد كنت مصدره..
وكيف امشي على التراب ...
وهل استطيع الالتحاف بالغبار الذري كما كنت
.. و لماذا املك هضبتين صغيرتين ...
وهل هنا يوجد لغة ...
ام انهم يتكلمون باشارات الضياء ..
كلها تساؤلات جابت خاطر النجمة البشرية حين وصولها للبر الأول
هبة الله تمشي على رمل من تعب الأرض القديم ...
ولكن هناك علاقة ود قديمة بين الاكوان
لا تدركها بصيرة الادميين الملوثة بالطمع والشهوة
كانت تمشي و شجر الزيزفون يحنو عليها ..
و غيمة من قطن رمادي تظللها ..
وسرب حمام يتبعها ويسجل عدد خطواتها
وعدد نبضات قلبها الجديد كليا على هذا الجسد
.. الأرض تبرز عشبها المدفون خجلا وحزنا ..
الطين يشكل نفسه تماثيل عذارى
والعناكب صنعت خلخالا هدية والبستها إياه
هي علاقة فطرية بين ازلية الوجود
فكلنا مرتبطين بشيء ما في السماء
ومن في السماء لهم اثر الحب في الأرض
ظنت هذه النجمة انها في غيبوبة من الجمال
فضحكت حتى اهتزت الجداول
ظنت انها مقيضة للبوح بالحب ثم تعود
لذا اشارت لكوكب دري كان يتابع تحركاتها
أن اذهب انا الان في أرض الملائكة
حتى النجمات لا يعلمن
أن الكائن الوحيد المخيف في هذا الكون لم يظهر لها بعد
وعندما وصلت الى نهاية طريق المنسي بين الأشجار
وجدت كوخا خشبيا مغطى باللبلاب
قديما كان كما عرجون
وصغيرا كان كحبة قمح
وتسائلت
من يقطن في هذا الحيز من
الكهولة يا ترى ؟
(٤)
قد يضج المرء من أبعاده ..
فكائن النور يخنقه حيز الأنا والجسد
ولكنه أحبت ما هي عليه لانه غريب ....
ووصلت الى باب الكوخ الخشبي ...بمطرقة حديدية متأكلة من شدة الانتظار
لم يكن مقفلا .. لم يكن أي شيء مقفل لأنها تملك المفايتح بخطوتها وبنظرتها وبابتسامتها النجمية
كل محتويات الكوخ تدل على أن قاطنه هو شيء ما ... هي لاتعرف المسميات
حتى تعرف ماهية الأشياء ولكن ما يلفت النظر انه رغم سوء حال الكوخ الا انه نظيف ومرتب وبه اصيص ورد كأنه خيمة سيدة دمشقية نازحة من الحرب
سيريوس وهو اسمها الذي كتبه القمر على معصمها .. كانت تتحسس ملمس الخشب والفخار والقماش المتدلي من الطاولة ... وتساءلت من يقطن هذا القصر
لأن هناك عبق روح تقطن هنا كانها اميرية او ملكية او من بلاط نبيل
هكذا النجمات تستشعر الروح قبل أن ترى الجسد
مرت ساعات وهي تنتظر الشي الذي يعيش هنا كانت تعرف بقدومه .. هكذا اخبرها بريقها ... وفي الليل فتح الباب رويدا لترى ظلا اسودا ممتد يسير ببطء نحوها ... الى أن تسمر قبلها بنصف خطوة ... ظل اسود مائل للزرقة يبتسم ويمد يده ليصافها فتبادره النجمة بسؤال من لغة سكبت في روحها قبل نزولها الأرض
- من أنت ؟ ..
- فأجابها بخفة بل من أنت .. أنت من اتيت خلسة لتقتحمي خلوتي وكوخي
- ولكني لا اراك مجرد ظل ممتد على الأرض يرقص أحيانا واحيانا يسكن
- ..إنه أنا وهذا اقصى شيء أكونه
- ماذا تقصد ؟
- أنا ظل فقط يا ايتها الغريبة
ظل فقط منسي في هذا الكوخ ولكني ظل من الظلال الحنونة .. وضحك ضحكة ارتج بها وكاد يتلاشى
- أيضا لم افهم .. فماذا يعني ظل وكيف لا أطر لك هل انت نجمة مثلا
- لا لست نجمة ولكني ظل فقط .. وحكايتي طويلة فاجلسي في كنف الضوء قبالتي حتى لا اغيب عنك فانا موجدي الأول هو هذا الضوء
وقاتلي الأول هو هذا الضوء
لم تستوعب النجمة سر غموضه ولكنها جلست باحساسها فهي شعرت بأنه مقطوف حديثا من غابة جميلة وانه يملك حبا كحب أمها النجمة النجمة العجوز
وذهب الظل لأحضار علبة قديمة قد يكون فيها سر الشيء الذي تجهله
واجتمع في هذا الكوخ .. في هذه الأمسية ... نجمة مغطاة بضفيرة .. وظل شارد لشيء ما.
(٥)
لكوب الشاي طعم اخر .. هي لم تذق شرابا منذ مولدها ... فاحست بسريان نهر دفء وحب ...
كيف لها هي النجمة الساحرة المدللة الغافية على شلال نور أن تحس بالندم على ما مضى
سير على الاقدام
تنفس هواء غريب
تذوق شراب معطر بالنعناع
حديث مع رجل غريب ولو كان ظل
كم هم محسودون هؤلاء الانسيون على حياتهم ... وكم هم غارقون في لجة الوجود الحسي الذي تفتقده كل الكائنات
ولكنها مازالت على عتبة المعرفة ولم تدخل في غياهب الانا
قال لها الظل .:
ما رأيك أن لا نتحدث عن انفسنا وكيف تكورنا هنا وتبعثرنا هناك
دعينا كما كل الجوزائيين من البشر نتسمرر في اللحظة التي نعيشها
سأرسم لك مخطط الطريق الذي أرسلت له فانا لم اوجد في حياتك عبثا
ولكن عليك بالتزود بالتالي :
حفنة من الخوف لانها اول شخص سيدافع عنك
- ما هو الخوف سالته وكيف سيدافع عني أنا.. هل يحمل سلاحا ام انه قوي كصديقي المشتري وسريع كاورانوس
- قال لها وهو يعطر قدميها برذاذ المسك
هو إحساس سينام في جنبك يستيقظ عند ولوجك في عمق المعرفة للاشياء
فالجاهل عديم الخوف والعالم صاحب رجفة ورعشة موت
ثم تزودي بمرأة حتى تعرفي من انت كلما غبت عن نفسك
و قليل من الجاذبية ضعيها بين نهديك
وبعض الحزن والدموع كي تعصري الأنا في قلوب وحوش البرية فيقبلوك ويحملوك كما ريحانة
- ولكني (قالت النجمة) مصرة ان اعرف من انت ولماذا هجرك الجسد
وأنا مصر( أجاب الظل) على ان اؤجل التعارف الى ما بعد الحقيقة بقليل
وفي الصباح كانت الشمس توقظ النجمة سيريوس بشعاع واحد رقيق وتضع على فستانها حمرة من دفئها
وتجهزت النجمة لاداء المهمة وليس معها إلا برائتها
حتى الظل ذاب في هذا النهار الدافئ
وحين بدأت المسير ... كانت العصافير تخبرها بقرب وصولها لبحيرة يعيش حولها الصيادين .. وبانها ستقابل جسد التراب لأول مرة واحدهم سيكون قربانا لها حتى ترى الطرق المدفونة بين الحصى
واقتربت سيريوس من البحيرة وكانت اهدأ من البحر الذي حملها قبل امس .. غافية كما اميرة .. ناعسة كما صبية كسولة.. وكان هناك أشياء ترمي حبالا من وهم في سكونها لتخرج سمكا ضالا ونجمات بحر.
(٦)
للصيادين طقوس الفجر.. ولصيادي البحيرات العذبة ملاءات من الأغاني يفرشوها على ضفاف الساحل الغافي
هم مقيدون بعدد الحصى وبنوع السرخس الذي يغطيها
ولكن نجمتنا ايقونة لا تعرف مدى القرار في صوت هؤلاء الرجال
لذا حين اقترابها احست بوجس وشعور ممزوج بالخوف والريبة والجهل
وما أن لمحها احد الصيادين حتى شل كما حمامة اصابتها صاعقة ولم يستطع الا ان يشير اليها باصبعه ويدل اخوته على السحر القادم من غرب البحيرة
حورية او ملاك او سرب فراشات كانت هي وزادت من الغواية بأن وضعت اكسير الانوثة الذي اهداها إياه الظل بين نهديها
يا أيها الخشن الذي ينظر الي هلا دللتني على طريق الجب الغائر
(نادت عليه بصوت من هديل الحمام)
يا أيها الرامي لحبال القنب والتعب .. أين اجد طريقي كي اعود مسرعة الى مجرتي
وفي يدي باقة زنبق
أيها المترجل في البحر الخفيف ... كن معي قنديل هداية كي انجز مهمة الحب والخوف
كانت ندائاتها تشكل عصافير صوت قرمزية تتسلل الى سمع الصيادين
ولكنهم كانوا متسمرين لا يقوون لا على الحركة ولا على النطق ولا على تلقف السمك الذي صار يخرج تباعا ويمد راسه ليرى حورية السماء
و فجأة سمعت من ورائها صوت صديقها الظل
لقد وضعتهم في عنق شجرة سنديان ... إن لسحرك ونورك وانوثة صدرك ثقلا من الصعب على هؤلاء البؤساء ذوو الأجساد المتعبة ان يتحملوه
فقط انثري قليلا من رضابك على رؤوسهم حتى ينسوا انك مررت من هنا
فانت الانثى الوحيدة التي تطأ هذا الكوكب منذ ذهاب الحب .. لذا فمن مصلحتك جمودهم هذا حتى لا يلتهموك كسمكة فضية
ومن مصلحتهم أيضا حتى يعودوا الى قواربهم بلا ذكريات
الأرض .. شاخت وبقيت ذكورية صرفة بلا اناث .. بلا اقحوانات تتكلم وبلا رقائق من ثلج حواء تبرد القلوب
هي لعنة الرجل النهم التي حرم منها من عطر الورد حتى صار وحيدا
الأرض اليوم ذكورية صرفة خالية الا من نجمة السماء صاحبة ذيل النور
فكيف ستمضي وحيدة بين أشجار بلا نهد
واعشاب بلحى رجال ميتين.
(٧)
من نجمة تعبر يوميا مع أقرانها شوارع الفضاء الرحب
وتلعب الغميضة لتختبئ خلف جدار الكواكب
الى انثى وحيدة تسير وحيدة بين تلال الخوف
كل ما هو مؤنث
مفقود
الا الخطيئة فهي نوع ثالث بجسد امرأة وروح رجل
الطريق يطوى كما صفحات كتاب قديم
والخطوات تلتفت قبل الملامح
وهي نصف سكرى
تترنح على رجفتها
قال لها الظل:
حثي الخطا لنصل التكية
فهناك حكيم بعمر حجر الصوان سيلهمك و يمنحك قلباً جديدا ونبضاً يتناسب مع الآتي
قالت له:
ماذا يعني حكيم و لماذا لا انهي مهمتي هنا فقد بدأت روعة المنظر تتلاشى
وسحر الارض يذوب في أوصالها
هنا بدأ ت جاذبية التراب تلوث نورانيتها او تخبرها على الأقل انها هنا مختلفة وجداً
وبدا من بعيد جبل قش و عيدان كبيرة كانها أوتاد لخيام منسية
قال لها الظل:
هاقد وصلنا ادخلي انت الى بيت الحكيم و افعلي ما تؤمري
فهو مؤتمن على مسيرك وعلى ماتحملين
وأنت
سألته البريئة
قال : ما انا الا ظل يحترق من سلطوية هذا المكان
ودنت كانها يرقة تخرج للتو من شرنقتها واذا بها تسمع صوتا مهيبا
اخلعي نعليك وادخلي
ودخلت لترى رجلاً بعمر عطارد ولون المريخ
صوته كألف ملاك
وله شعر ابيض كاجتماع مذنبات العصر السحيق
اقتربي واجلسي امام ايتها النجمة
انت هنا في بيت الليل والحب والسكينة
ابتسمت النجمة ولكن برعب فحسها النجمي لا يخدعها
و جلست بقرب هذا الكهل الجميل ذو الصوت الرخيم
قال لها
بداية طريقك هنا كي تكوني مكتملة وكي تستطيعي الانصهار لتكملي رسالتك
وبدأ يتحسس يدها الى كتفها العاري
ثم يتلمس وجنتها وجبهتها
ودنا منها حتى صارت حشرجته تسمع في قلبها
قال لها:
أتعرفين لما قال لك الظل ان تضعي الجاذبية والسحر في نهديك
قالت : له لما
وضحك كذكر عادي بدون قدسية بدون هالة النور
وقال لها:
انها لي لي انا
وغاب معها في احساس كان هو فيه نسر من قمم جبال الآلب يطوي جسدها الغض
وكانت هي قطعة قماش مثنية على نفسها مرمية على الارض
هي اول تضحية لها كأنثى وأعمق تضحية لها كأنثى
لم تدرك نجمتنا البريئة ان بعض من يزرعون الخير بكلامهم في طرقاتنا هم من يحصدون الشر شهوة من اجسادنا
وكانت قضية اغتصاب نجمة بمساعدة الكون كله
(٨)
لا تمتلك النجمات غريزة انثى الارض
قد تمتلك قوامها ولون الكحل وسفر العنق للغيم
قد يكون كتفيها كعريشة عنب ونحرها نهر فضة
ولكنها لا تشعر باختلاجات الرغبة ولا الابتسامة التي تلي عناق البدن
لذلك كانت تخرج من مطرح الكهل مهزومة بلا لذة تسحب اذيال الصدمة
حتى السماء فوقها كانت تضرب كفاً بكف وتتنهد
وعند اقدام سيد الكواكب ساد الوجوم ارجاء البلاط الرحب
كل النجمات اللاتي كن يتابعن مسيرة سيريوس لبسوا كفن
الدهشة
كانت دموعهن لؤلؤ وحزنهن من لحاء شجر القمر
وحده سيد الكواكب كان يرسم الخطوة التالية لتلك النجمة البريئة
أما هي فكانت تتهرب من صديقها الظل ولا تستجيب لندائه
وكأن الحزن جعلها تتمرد على ما سيأتي
لن أبرح هذا الطريق
ولن استمع لظل رماني في حضن شوك
انا لا استوعب الى الان كيف التهمت بلا شبع
كانت تدندن العتاب واللوم حتى وصلت الى حقل من شقائق النعمان ممتد الى اخر البصر والبصيرة
كانت الزهور تغني اغنية باسمها
سيريوس نجمة من السماء
عانقت التراب والماء
في جبينها مصير مجرة
وعلى كفيها اثار دماء
وفهمت نجمتنا انه قدرها وأنها قربان للكون كله
فهي اذا صاحبة رسالة
ولكن لماذا يختار الكون ارق شيء وأنصع شيء كي يضحي به
هل ليعيش غراب مثلاً
ام ليكون للنسر عش
تابعت بين اندماج الاخضر والأحمر في الحقل حتى تاهت بين السيقان ونامت هناك
وفي حلمها رأت نفسها على عرش من عربات الغيم
وتحت قدميها مئات من فراشات درب التبانة
وعصافير سماوية
كان الكل
يرميها بالالماس وينتظر ان تلوح بيدها
واستيقظت على ابتسامة تملأ ثغرها
هناك اذا شيء جميل
فدعي الكهل يستمتع بنشوة اللحظة
واتركي الظل يظن نفسه رجلاً
وتابعي بين طرقات الليل والنهار
فهناك اذاً شيء جميل
هناك اذاً شيء جميل
(٩)
عند ملتقى النهرين
تداعبت خصلات شعرها بريح غريبة
ورائحة حب فاحت في المكان
وبدت أشجار الحور كأنها ألواح للكتابة
كل عبارات الطريق محفورة بالسكين
(الطريق الى غابة الروح منها)
(حاذري من حبال الشوك المتدلية)
(لا تشمي الورد الاصفر فقد تصيبك لعنة البقاء)
(على بعد ميلين ستكون امامك قلعة صغيرة
فاطرقي الباب واهربي
لان دخول القلعة فقط للعاشقات)
وتابعت سيريوس الطريق وهي تمشي على هواء
الى ان وصلت للقلعة الصغيرة
كانت جدرانها من عباد الشمس
وسقفها مرصوف بسعف نخل
كم هي مغرية للنوم ولأخذ قبلة
وما ان اقتربت منها حتى انحنت القلعة الصغيرة باكملها ومالت اليها
تفضلي يا سيدة النجمات فمثلك لا يقرع الباب بل يدخل على جنح طير الى مهد الريح
لا لا أستطيع فانا فقط كما اؤمن سأطرق بابك واهرب
فقدماي تخاف من خطوات الغرام
وضحكت القلعة حتى طار السنونو من بين مفاصلها ثم خرج منها شاب وسيم يبتسم معاتباً
لماذا لا تدخلي
هنا الماء والملح و وسادة حرير
تعالي فقد تلوكنا الرغبة
ولكن براءة سيريوس كانت قد هرمت قليلا وتحولت الى
سيدة قصر تعرف شرك الخديعة كيف يكون
لا لن ادخل ما انت الا كهل اخر يريد جسد نجمة
ولكنك معسول الروح
قد مات عندي الشوق من اول احتلال لجسدي
فدلني على الطريق وانت بعيد عني بعد اللهفة للهفة
فما كان منه الا ان دلها وتنهد
هو عاشق كان يريد ليلة
وهي نجمة لها رسالة كون
طعنت في خاصرتها مرة ففقدت كل احساس بالرغبة
الشيء الجميل الذي ينتظرها ليس الحب اذاً
فنحن من فقدنا للذة التوهان في الكون اختصرنا السحر بالحب
الشيء الجميل في عيني نجمة انها ستكون إلهاً من نوع خاص في نهاية المطاف
هكذا داهمها الحلم
فهل تعود نجمتنا لتكون صاحبة العرش في مجرتها
وهل رأت فعلا طريقا للملك مفروشاً بنهم ما
هي محنة صغيرة في اغتصاب محيا نجمة
أوجدت شرخاً في برائتها وصارت تفكر جدياً
بأن تحكم الشمس بصولجان من أقمار.
(١٠)
لا وقت للسكينة ولاختراق المساء لاضلع فتاة النجوم تحث الخطى لتقترب من مصيرها
لتقترب من جب غائر يحمل الغد المبهم
ولكن بحبال الإرادة التي بدأت تتفشى في أوصالها
خط نهاية الشجر
هو خط بداية لمنفذ اخر للعمر
هو طريق الأسفلت الذي ظهر فجاة
كأنه شريان اسود في وسط الغابة
الى أين يودي هذا الطريق؟ سألت سيريوس
قالت لها أشجار الصفصاف:
الى المدينة وكتل الأسمنت
الى شمس ليلية فيها عزف ودمع وخوف ورقص وفرح
ولكن اعبري طريق الأسفلت عرضاً كي تتمي رحلة العشب
ولا تمتدي معه طولاً لتصلي الى مشارف المدينة
فهناك الف كهل والف ناب
وصبية يرمون الزائرين بالحجارة
لم تكن أشجار الصفصاف تعرف مدى الحديد الذي ترسب في شرايين النجمة
وكيف بدأت تتحول لأنثى حقيقة من مزيج الكرامة والعناد
لذا قالت لهن:
سأمشي طويلاً حافية على طريق الأسفلت هذا
وسأصل للجب ولكن من خلال المدينة التي تزعمون
فقد مللت خداع العصافير
ولما لا اجرب مكر الجدران الصامتة
وبدأت سيريوس الجديدة بالمسير نحو مشارف دمشق
هكذا كانت تسمع من احاديث بعض النجمات
ان هناك مدينة تسمى دمشق هي الوحيدة بين المدن التي تختار اشكال النجمات في سمائها
وهي الوحيدة التي تضع القمر خلف قاسيونها كأنه نصف دينار فضي
وهي الوحيدة التي تمسح زجاج الليل بيدها
ليطلع النهار
وسيريوس احست بان هذه المدينة التي في نهاية الطريق
هي دمشق لان القدر مرسوم على جبينها منذ ولادتها
فتابعت المسير ولكن ببطء فهي رغم مكنوناتها النجمية
تخشى جلالة دمشق وهيبتها ولا تصدق كل ما تقوله أشجار الحقول عنها
فهي احست بغيرة ريف التعب هذا من عيني دمشق ومن نحرها الذهبي
فدمشق اولا ثم الولوج بين شرايينها لتصل للجب الموعود
هذا قرار نجمة السماء القوية
هذا قرار الانثى التي ولدت من فعل اغتصاب
وحين وصلت الى مشارف العروس
كان كما توقعت تماما
أسراب من فراشات يضعن نعلا مزركشا بالياسمين لتلبسه حين دخولها
ارض الحب
ارض دمشق
(١١)
دمشق انثى بمبان سمر على خصرها
وبيوت قديمة على كتفها ونحرها
و سيريوس انثى بنكهة الليمون تعبق في كل مكان تسير به
كانتا الأنثيين الوحيدتين في عصر الحجر الصلد
انثى بجمال سيريوس واغراء نهد سيريوس
ورقة بشرة سيريوس تسير بين مئات الرجال الذاهلين عنها
هم في واد اخر يسمى دلعاً وادي الهم
الابتسامة دفنت في مقابر الشفاه
والرجولة استخدمت لحمل المصير الى مشارف النهايات
كل شيء شاخ هنا فإذا
دمشق الصبية الغريبة الأطوار قد شاخت بالتبعية
الا يقولون المدن بسكانها
تابعت سيريوس تفحص التعب وغياب الروح في الطرقات
وسالت الظل الذي يرافقها كظلها:
هذه ليست دمشق أليس كذلك
وهؤلاء ليس رجالاً وانا اجزم اني لو سرت عارية الا من ضوئي لما التفتوا الي
- هي دمشق أجابها الظل ولكنها خرجت للتو من شرنقة الموت والغياب ولم يبق من جمالها الا رشفة خمر
في زجاجة سكير بائس
فسيري على مهلك فارضها مدفن الانسانية كلها
ولا تلمسي عامود النور هناك الساقط من السماء
قالت له :
ولماذا ؟
هو من تبعاتي النجمية سالمسه واغتسل به أيضاً
واقتربت سيريوس من عامود نور الهابط من كبد الليل
كان يتوسط شارع الحب في دمشق
ودخلت الى محوره كي تغتسل كما كانت سابقا تغتسل كنجمة
وفي داخله رأت اطياف الكون هناك وصديقاتها النجمات يتحركن بسرعة تمهيدا لاحتفال ما في السماء
كانت ترى كل شيء وهم لا يروها لانهم منسجمون في صنع ستائر التأبين الكبير
ثم لمحت على تابوت الياقوت اسمها مزركش بالذهب
مطرز بالفضة
هو موتها اذن .. وهو القدر الذي تستعد السماء لإعلانه
هي تعرف حين هبطت ان على هذه الارض ما يستحق الخيانة
ولكنها لم تتصور ان السماء نفسها باتت خدعة
وان من ارسلها هو قاتل الامل وهو مستعبد النجمات القاصرات
خيانة من سيد الكواكب لجحافل النور
وسيريوس هي الضحية الأبدية لما سيكون
(١٢)
أجراس الكون تقرع
ولا مآذن في المجرات
هناك فقط خيوط عنكبوت تربط أواصر الكواكب
وحده عطارد الأقرب الى قلب الارض
كان يعارض فكرة موت النجمة
كيف يموت الوميض ليجلس اليباس على الكرسي
وهل يجوز ان تستمر عنجهية الكواكب الهرمة على مقصلة النجمات الفتيات
صوته يمضي الى البعد الاخر ولكن لا احد يسمعه فلقد تقرر مصير سيريوس
ولأول مرة في تاريخ المجرات تكون الخيانة قرار
هي ردة فعل عادة او نزوة او إغماءة في الخطيئة
ولكن ان يجتمع شورى الكون على انتهاك جسد برعم نجمة تدعى سيريوس
فهي حتمية الزوال للخيال الذي يسكن في مخيلة الأرضيين
عن طهر السماء
كان كل شيء كذبا ونفاقاً
ووحدها سيريوس كانت تمشي وهي تستعيد فراشات ذكرياتها هناك
لماذا اكون ضحية لسنن الكون
ومن قرر ان يكون دمي وانوثتي المستحدثة وضوئي الخافت هم اللذين سينقذون اطماعهم
أما وجدوا غير نحلي وضعفي وابتسامتي الخجولة
مشت وهي تنهر الظل الذي بدا ولأول مرة كأنه ظل طفل
ظل عاد الى سنينه الاولى حينما كان بريئا
واستفاق ضميره الظلي كي يحنو على خطوات سيريوس
- أرجوك تماسكي صاح بها
هو قدرك فابتسمي
اعلم ان الغدر مصيبة
ولكنك ستكونين اقحوانة في العالم الاخر لانك ضحيتي بحرير صدرك وأنقذت السماء
- انقذت ماذا
عن اي سماء تتحدث
وعن اي ارض اتحدث
عهر وسلطوية بين المذنبات المخفية
وهنا على ارضكم اغتصبت من حكيمكم كأني اتبارك بلعابه
دعني فانا وجدت الحل
ولن أكون تلك النجمة الساقطة من سماء الغدر
والتي تلقفتها ارض الخطيئة
هناك قتلوا الكواكب التي تصلي
ونحروا النجمات التي تكشف جيدها
وهنا استباحوا طهر الروح ثم ماذا
ثم قتلوا دمشق
تصور او تخيل او ماذا
ثم قتلوا دمشق
ولكني انا نجمة ربانية وسأعرف كيف انتقم من رداءة الفضاء
ومن خبث بركم هذا
— ماذا ستفعلين؟
سأساعدك انا ظل مرمي مستخدم في الحوانيت
لا شخصية لي
قتلوا صاحبي ورموني في انحناءات الوجع وحدي
وها أنا أوصل اجمل نجمة رأيتها في حياتي لحتفها
فسامحيني
وسأكون ظلك انت فقط
وقولي
على ماذا ينوي البياض المطوي في داخلك
وابتسمت سيريوس ابتسامة
الف حواء زرعن الف شجرة تفاح وقالت
— سترى 💜
(١٣)
بين الوهج وبين الجب خطوتان وحيدتان غريبتان
هي ترى دخان العصور الممضية بالموت يخرج من فوهته
والجب يرى اصابع اقدام كالؤلؤ
حتى جب الموت والغدر والدمار والخيانة والأرواح المرسلة والأرواح القادمة من جفاف المدن
قد يذهل امام اقدام نجمة بريئة
ناداها بشغف رجل من احياء عشوائية في بلاد فقيرة
كان يرى أنوثتها كأنها خيمة جديدة يأوي اليها
ناداها بغيرة محب شاهد حبيبته ترقص بين رجال قبيلة أفريقية ..
ناداها بحيرة الموت من كره الناس له مع انه الصادق الوحيد
قال لها:
هلمي الى حضني المليء بغاز الالم
وبنحيب الاف الضحايا الذين ماتوا بالحرب وماتوا من البرد
وماتوا تحت وطء المخيمات
هلمي الي انا جب كل شيء اسود او ليلكي حزين
تعالي عارية لاحضنك انت والترياق الذي في خصرك
كي تنقذي الكون كله
فأنت فدية السماء والأرض
وانا الجب الذي سأغلق فوهتي بعدك
ولن اعود للهذيان
ولكنها ابتسمت
مرة اخرى
هنا الكلام ضعف والصراخ ضعف
فقط الابتسامة هي سلاح الواثق القوي
وهي عقيقة الملوك التي تحجب الرؤيا وتخرس الصمت نفسه
ابتسمت وأومأت للظل فاستل خنجر كان يحمله خفية من نفسه
لاول مرة في تاريخ الظلال المنسية سيكون هناك ظل يحمل خنجراً
بل ويطعن به خاصرة النجمة البريئة القوية
الساكنة الصاخبة
كانت طعنة بارادة الحب والعند معاً
قررت سيريوس ان تموت قبل الجب بخطوتين
وهكذا لن تمنح سيد الكواكب صولجان الديمومة
ولن تعطي للمجرة رسالة التمدد الى اخر بعد
و ستزيل قماش اللوز من على اعين اخواتها النجمات
قتلت نفسها بيد ظلها
كي تحيا كذكرى
ابتسمت
حين كان الدم يقطر بلون النرجس
والجرح وردي بلون قرنفلة يتيمة
ابتسمت وهي تهوي على بعد خطوتين من الجب اللعين الذي بات يفور من غيظ رجولته ومن يأسه في احتواء برائتها
لم تعط احد شرف قتلها الا ظلها او الظل المنسي
وغابت الابتسامة من شفتيها ونامت على بعد خطوتين
ولكنها لم تغب من عينيها
اما ظلها فقد مات معها بنفس الطعنة لان شريان الحب يوصل الوتين بالوتين
وسيد الكواكب دخل حجرته وانزوى كأنه سليمان يحمل عصاه والدودة معاً
والنجمات بدأن يرقصن كما كانت سيريوس ترقص في حفلة إشعال القمر
ماتت سيريوس على بعد خطوتين من الجب ولكن
في نفس توقيت الطعنة
كان هناك صرخة ولادة طفلة
في بيت دمشقي عتيق
ولدت تحت الدرج بينما كانت أمها تعد الشاي بالياسمين
ولدت طفلة بلمعان الف قمر
حتى أضاءت الحارة كلها وتساءل اهل الحي عن سبب النور
وحينما حملها ابوها بين يديه مالت عليها شجرة النارنج وقبلتها و وشوشت الاب التعب
اسمها سيريوس
اعرف انه اسم ليس دمشقي ولكن سمها سيريوس
فهي قبلة الكون القادمة
النهاية

تعليقات
إرسال تعليق