شكل المقدمة الطللية لدى المتنبي- دراسة نقدية..بقلم أ/نيسان مجد
شكل المقدمة مع المتنبي بين الاتباع والابداع:
تحولت المقدمة الطللية عند المتنبي من موضوع معرفة إلى أداة معرفة قد تتراءى لنا في شعر المتنبي مقدمات متنوعة منها الطللية والغزلية، إذ هو يعيد صياغة المقدمة النمطية، فالمقدمة خطاب استدلالي لذلك فإن متقبلها -وهي التي لا تبرح عمود الشعر- يحصل على صورة عامة يمكن أن يلحق بها رسوما مجزأة من عنده والمنشَأ المتقبَّل يصدر عن مقدمات يستنبط منها كليا يمكن أن تلتبس بالرسم المحفور في الذاكرة فيكون المرتكز الأساس في قراءة هذه المقدمة رؤية المتقبل الحاصلة بين ذات الشاعر وذات القارىء.
فعلى ضوء هذا الضرب من التداخل النصي أو ما نسميه شعرية الأثر ويمكن أن نشير إلى نماذج من مقدمات المتنبي.
1-مقدمات القصائد لديه أنواعها ومحتوياتها وآراء النقاد من ذلك:
يمكن نعت المتنبي بالعربي الشجاع شاعر بني حمدان الوفي لعروبته المعتز بنفسه الذي اختار لجل قصائده مطالع النسيب ومحادثة الطلل ولكن في ابداع أيضا -ويرتكز على الأصالة وتجديد يقوم على العراقة فتصدى لشعبوية الفن في جرأة وحزم وبرهن بما لا يدع مجالا للشك -على أن اللغة العربية بألفاظها ومعانيها قادرة على الزهو بالقديم واخراجه في ثوب قشيب نسيجه صفاء الكلمة وصفوة المعاني وروعة الخيال ونظم الأساليب بدرجة أوشك بها أن يكون معجزا فاختصم أناسا فتحاملوا عليه وأعجب أناسا فانحازوا إليه.
وإذا استعرضنا مقدماته على نسق استعراض مقدمات أبي تمام ألفيناه يقف على الطلل ويحتفل به ويشبب أو يتغزل فيضع في مقدمة قصيده نسيبا يفتن في ابداعه على طريقه أبي تمام.
كما يصف الخمر في مقدماته ولكن في تحفظ فما كان لاهيا ولا شارب خمر حتى يبدع ابداع الخمر وإذا كان قد استطاع أن يضمنها قليلا من مطابعه ليبرهن للناظرين في شعره والمستمعين أنه يستطيع أن يأتي بالروائع في هذا المجال وذلك صنيع أبي تمام كما عرفنا ولكنه لم يصف الطبيعة ولم يحتفل بها احتفال هذا الشاعر فإنما تركه في هذا المجال قليل كما يشير ديوانه.
أما اخضاع تقديم للمناسبة فذلك ما تفوق فيه المتنبي على الشاعر الطائي أبي تمام وخلال التقديم للمدائح وغير المدائح ألفيناه لا يشكو الهم ويتبرم بالشيب ويصوغ الحكم.
2-الوقوف على الأطلال ووصف آثار الديار:
إن نشأة المتنبي بالبادية وتغلغله في حياتها وعشقه أسلوب العيش فيها أثر في اقباله على هذه المطالع، فهو العربي القحّ بل البدوي. إنه يقف كما يقف السابقون في العصور الأولى يصف الطلل ويذكر مشاعره نحوه وقد يتعرض لرحلة الحبيب ووصف الضعائن، ويتحدث عن آلامه ولواعجه إثر الفراق ويترك ذلك إلى الغزل والتغني بمحاسن من يحب مع الابداع والتجديد في إطار القديم حتى يخيل إلينا -ونحن نقرأ طللياته أننا بصدد ألوان من التجديد متنوعة، ويكاد لا يكرر في قصيده ما ذكره في أخرى سابقة ويصور غرامه بوقفة الطلل وايثاره عما سواه من ألوان المطالع الأخرى وطريقته في الاستطراد من بكاء الأطلال إلى التغزل بالحسان في مثل قوله:
"وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه **** بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
وما أنا إلا عاشق كل عاشق **** أعق خليليه الصفيين لائمه
وقد يتزيا بالهوى غير أهله **** ويصطحب الإنسان من لا يلائمه
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها **** وقوف صحيح ضاع في الترب خاتمه
كئيبا توقاني العواذل في الهوى **** كما يتوقى ريض الخيل حازمه
قفا تغرم الأولى من اللحظ مهجتي **** بثانية والمتلف الشيء غارمه
سقاك وحيانا بك الله إنما **** على العيس نور والخدور تمائمه
وما حاجة الأضعان حولك في الدجى **** إلى قمر ما واجد لك عادمه
إذا ظفرت منك العيون بنظرة **** أثاب بها معي المطي ورازمه
حبيب كأن الحسن كان يحبه **** فآثاره أو جار في الحسن قاسمه...
فلا يتهمني الكاشحون فإنني **** رعيت الردى حتى حلت لي علاقمه".
وفاء للربع وللتقاليد العربية التي خلفها السابقون من شعراء الجاهلية، إنه يسير على نهجهم يضمن مطلعه ما ورثه من الوقفة على الطلل الدارس والدعاء له بالسقيا ووصف رحلة الضعائن والغزل بحبيبة محصنة بفوارس من أهلها. ولكنه لا يقف عند الموروث بل هو أكثر وفاء له إنه لا يقنع بالمعنى القديم بل يضيف له ما يطبعه بطابعه وما يُذهب ابتذال التكرار والمألوف فإذا بنا نتلقاه ويخيل إلينا أننا نستمع إليه أول مرة، ونشاهد تصويرا لم يسبق له.
إنه يفلسف المألوف المتوارث ويضيف إليه فالربع منه ما يشجي وما هو أكثر إثارة للشجى. والصديق المشارك للعواطف يسلي ويشفي الهم، ولكن أكثر الأصدقاء بكاء أقربهم إلى نفسه لأنه يذهب الحزن بغزارة دمعه والصديق يتحول إلى عاق غير بار إن لامه على وقفة الطلل. ويحلل الواقفون على الأطلال فيقول المرائي بالهوى والحب ومنهم الصادق في هواه أما هو فأكثر وفاء وحبا للأطلال وترابها وسوف يهيم بها حزينا لرحيل أحبابه منها حتى يخافه العواذل، وسوف ينظر إليها نظرة تميته وأخرى تحييه.
ثم ينتقل إلى حديث الغزل فيرى في الحبيبة نورا وفي الخدور تمائم وأنها تضيء ظلام الليل فيسير الراحلون على هديها وهي حياة لمن يراها، إنها تجمل بحسنها وتتفوق بجمالها وطيبها وهي منعة من أهلها تشب المعارك دونها فيحميها الأبطال ويسبون الكرائم.
لما نظر إليها نظرة أتلفت مهجته أراد أن ينظر إليها أخرى لترجع إليه نفسه أثاب: رجع الرازم من الإبل الذي أقعده الهزال من كثرة المشي وتعدل الإبل في قوتها فكيف لو نظرت إلينا.
"جار في الحسن قاسمه" أعطاه نصيبا أكبر وحرم الآخرين نشر الكباء رائحة العود الذي يتبخر فيه.
أما المتنبي فيزعم أنه قد تكبد من آلام الفراق ما تكبد حتى اعتاده واستعذب مرارته فحلت له علاقمه. فهذه الوقفة الطللية تشف عن عراقة أصيلة يكاد يطل منها امرؤ القيس أمير الشعر الجاهلي صاحب "قفا نبك"... ولا يشق علينا أن نلمح ما بين المعلقة ومطلع المتنبي من تشابه.
فخطاب الصاحبين ومفاجأه الربع وتهالك العاشق واشفاق الخليل ومنعة الحبيب وجماله والحديث عن الخدور والكمائم أمور يحرص عليها الشاعران ويبدعان في التعبير عنها ويمتاز أبو الطيب بعرض الشائع وخلق ابداع في اطار جديد يعيد للشعر حيويته واشراقة ديباجته فإذا هو عاشق كل العشق والصديق الصفي أعق الأخلاء وإذا الهوى صادق وغير صادق وإذا هو كئيب ولكن كريض الخيل يتوقاه الحازم وإذا لحظة تتلف وأخرى تحيى وتتقد وإذا الحسن يحب وقاسم الحسن يجور وإذا المعارك تشب وإذا ألوان من الستور أدناها غبار الحي وآخرها عبق البخور.
والمتنبي بعد هذا كله لم يعلم جديدا ولم يشاهد غريبا ذلك لأنه خبر الحياة ورعى الردى.
إنه الفكر والوجدان عند شاعر بني حمدان يتعانقان بل يتمازجان ليصير شعره غذاء العقل ولذة النفس ومتاع الأجيال ذلك هو الطابع العام في طللياته، محتواها ما نجده في محتوى طلليات الشعراء القدامى مع تطوير هذا القديم وتحديثه وصبغه بمبالغته وبتصوراته الطريفة التي تخلع على القديم سمة الجدة مع عمق الفكرة وعروبة الصياغة حتى يخيل إليك أن المتنبي يأتي في كل مفتتح قصيدة بمعنى جديد لا يتكرر

تعليقات
إرسال تعليق